اليوم هو يوم الجمعة، وهو الموعد المحدد من كل أسبوع لينكب البشر هنا أفواجاً مموجة. فقد هتك ستار الخصوصية منذ أن تدفق زيت أسود من تحت مؤخرات الأعراب وهم عنها غافلون. في قلب البلد، والذي تحول إلى سوق عام، حيث الناس مكومين فوق بعضهم البعض وروائحهم مختلطة وأنفاسهم متشابكة لتصبغهم بصبغة واحدة ولون واحد.
كبار السن يقصدون البلدة القديمة، ليس لتسوق أو الفرجة كما يفعل غيرهم، ولكن تؤرقهم الذكرى. فهم يأتون هنا لراحة بعدما ألم ركبتي أحدهم الصقيع وأناخ ظهر الآخر حملاً لم يذق طعمه. ولكنهم يفجعون من البلدة التي خلعت ثوب الماضي لتقف هكذا عارية، نوافذها مفتوحة وسقفها مكشوف، حيث تعالت الأسوار والمساكن تباعدت عن بعضها ليسكن هذه الفسحة الوسواس الخناس. السكان الأصليون غادروا المكان مخيرين أو مجبرين. لم يعد هنالك فضاء واسع يتنفس المرء بمشاهدته روح الحياة ويتلمس قناديل الأمل. الآن يدور هنا رحى العمران المسلح وهدم البيوت الشعبية ولو على رؤوس أصحابها. من سلم من الطوفان تجده يداري نفسه بين الأزقة الضيقة التي يشعر فيها بالأمان وإن جاوره وافد يصنع الخمر أو مراهق أرعن يفجر طاقته الجنسية بين جدران ذلك البيت المكتوم.
ورغم تمزق صورة البلدة القديمة عند كبار السن التي زعموا أن الآلات لن تشوهها، فلا زالوا متشبثين بمربع صغير تحيط به من كل الجهات مقاعد صنعوها من سعف النخيل. فـ (أبو صالح) والمجوعة التي معه، عندما صانوا هذه البقعة الصغيرة من التغيير قرروا أن يجعلوها قطعة مستنسخة من الأيام الخوالي بكل تفاصيلها. فهذا هو صوت (بن فارس) يصدح من مسجلة حمراء وضعت في أعلى مكان وهي تلوك شريطاً قديماً اختفت معالمه وقلة جودته كثيراً. يفترشون الحصير الذي يتوسطه صحن صغير نثرت فيه بضع حبات من (الباجلة) ونصف ليمونة خضراء عصرت غير مرة. سجائر (اللف) حاضرة في جيب كل واحد منهم وهي غير خاضعة لقائمة الكرم المعروفة بينهم. تنتهي جلستهم هذه عند أذان المغرب، فينصرف كل واحد منهم إلى حيث يسكن ، فالليل هنا بالنسبة لهم مزعج والفوضى عارمة .. فلا طاقة لهم بكل هذا.
وحده أبو صالح من يتعمد التأخر كل يوم جمعة حتى لو كان ذلك على حساب صحته التي لم تعد تساعده على السهر وتحمل






















