تـفـاح الـجـنـة

أكتوبر 19th, 2009 كتبها عبدالله الدحيلان نشر في , من وحي الإبداع

اليوم هو يوم الجمعة، وهو الموعد المحدد من كل أسبوع لينكب البشر هنا أفواجاً مموجة. فقد هتك ستار الخصوصية منذ أن تدفق زيت أسود من تحت مؤخرات الأعراب وهم عنها غافلون. في قلب البلد، والذي تحول إلى سوق عام، حيث الناس مكومين فوق بعضهم البعض وروائحهم مختلطة وأنفاسهم متشابكة لتصبغهم بصبغة واحدة ولون واحد.


كبار السن يقصدون البلدة القديمة، ليس لتسوق أو الفرجة كما يفعل غيرهم، ولكن تؤرقهم الذكرى. فهم يأتون هنا لراحة بعدما ألم ركبتي أحدهم الصقيع وأناخ ظهر الآخر حملاً لم يذق طعمه. ولكنهم يفجعون من البلدة التي خلعت ثوب الماضي لتقف هكذا عارية، نوافذها مفتوحة وسقفها مكشوف، حيث تعالت الأسوار والمساكن تباعدت عن بعضها ليسكن هذه الفسحة الوسواس الخناس. السكان الأصليون غادروا المكان مخيرين أو مجبرين. لم يعد هنالك فضاء واسع يتنفس المرء بمشاهدته روح الحياة ويتلمس قناديل الأمل. الآن يدور هنا رحى العمران المسلح وهدم البيوت الشعبية ولو على رؤوس أصحابها. من سلم من الطوفان تجده يداري نفسه بين الأزقة الضيقة التي يشعر فيها بالأمان وإن جاوره وافد يصنع الخمر أو مراهق أرعن يفجر طاقته الجنسية بين جدران ذلك البيت المكتوم.


ورغم تمزق صورة البلدة القديمة عند كبار السن التي زعموا أن الآلات لن تشوهها، فلا زالوا متشبثين بمربع صغير تحيط به من كل الجهات مقاعد صنعوها من سعف النخيل. فـ (أبو صالح) والمجوعة التي معه، عندما صانوا هذه البقعة الصغيرة من التغيير قرروا أن يجعلوها قطعة مستنسخة من الأيام الخوالي بكل تفاصيلها. فهذا هو صوت (بن فارس) يصدح من مسجلة حمراء وضعت في أعلى مكان وهي تلوك شريطاً قديماً اختفت معالمه وقلة جودته كثيراً. يفترشون الحصير الذي يتوسطه صحن صغير نثرت فيه بضع حبات من (الباجلة) ونصف ليمونة خضراء عصرت غير مرة. سجائر (اللف) حاضرة في جيب كل واحد منهم وهي غير خاضعة لقائمة الكرم المعروفة بينهم. تنتهي جلستهم هذه عند أذان المغرب، فينصرف كل واحد منهم إلى حيث يسكن ، فالليل هنا بالنسبة لهم مزعج والفوضى عارمة .. فلا طاقة لهم بكل هذا.


وحده أبو صالح من يتعمد التأخر كل يوم جمعة حتى لو كان ذلك على حساب صحته التي لم تعد تساعده على السهر وتحمل

المزيد


مدينة الألعاب

يونيو 21st, 2009 كتبها عبدالله الدحيلان نشر في , من وحي الإبداع


توقف كل شيء خلق للحركة والحياة، في مكان وظيفته بعث الأمل والفرح في نفوس هدها الحزن والألم وهموم لا تنوي الرحيل. فاحت رائحة الموت فتغلغلت سريعا تقبض أروح الألعاب الملونة  التي تدور بسرعة جنونية مخرجة موسيقى صاخبة.


جلست تراجع ما حدث في لحظة لم يدر في خلدها أن تحدث، أبهذه السهولة تنقلب الحياة على رأسها ويتحول الفرح حزنا وتتوشح الدنيا السواد ويتوارى النور خلفه مسرعا وكأنه لم يكن حاضرا قبل قليل؟! هل نسيت بالفعل أم تعمدت النسيان أم هو الذي نسي ودفعها لنسيان أيضا؟!.


- اليوم موعدنا في مدينة الألعاب!


- في انتظارك..


أن يطلب اللقاء، فهذا أمر غير مستهجن منها، فهو من يقدم الدعوة ويحدد المكان والزمان..أما هي فلا عليها إلا القبول!. أغلقت سماعة الهاتف، فتحت باب دولابها وقلبت ملابسها، لم تشعر أن أيا من فساتينها قد أغراها لكي تلبسه، فلمحت ذلك القميص البرتقالي والجنز الرمادي الضيق فابتسمت متذكرة أنه يحب هذا القميص المحفور الذي يجعل أعلى صدرها بارزا وذلك الجنز الضيق الذي تحشر نفسها فيه بصعوبة فتبدو وكأنها طاووس منفوش الريش!.


رنّ هاتفها رنة واحدة، كرمز بينهما في حالة اللقاء أي (أنا في الخارج ، هيا اخرجي). نثرت على نفسها عطر باريسي فاخر بشكل عشوائي..ثم خرجت تسابق الخطى وتتأمل القادم والذاهب في وجل!.


- سنلعب اليوم كثيرا..أريدك ِ أن تركبي معي قطار الموت والصحن الدوار ونتشارك بالتجديف في تلك البحرية الصغيرة.

لم تجب، فقد كانت تمارس التجديف في عينيه السوداويتين وتلحظ حركة فمه وهو يتحدث مبتسما.


- سنذهب إلى تلك المدينة.. حيث التقينا أول مرة.. كم اشتقت إليها.


حينها ظل يطاردها طويلا، وهي تمسك تلك الوردة الحمراء  غير خافية الدلالة.  رمى الرقم عليها فخطفته قبل أن تلمحها عيون من تصفهم بالمتطفلين!.


غريب أمر ذلك الرجل لم يطلب لقاءها سريعا ك

المزيد


شخبط شخابيط .. لخبط لخابيط!!

مارس 21st, 2009 كتبها عبدالله الدحيلان نشر في , من وحي الإبداع

أكلت من الشطيرة بعضها وأرسلت الباقي للخلف لكي يأكلها أحد الأطفال


يفرك أنفه ، ثم يرتخي قليلا وهو يدلك رأسه الخالي من الشعر .. وسرعان ما يعود إلى أكله!

تمسح على رأس صغيرتها التي تمسك برضاعتها وتشفط الحليب .. بعيون ناعسة


يردد معهم كلمات لا معنى لها .. ولكنها تطربه وتطربهم ، فيرقصون ، فترقص السيارة معهم!


تفتح نافذة مقعدها لتستنشق الأوكسجين والرائحة الطيبة!


- قولي معنا..هيا !


(شخبط شخابيط..لخبط لخابيط)


نظرت إلى فمه المحشو بالطعام .. عقدت حاجبيها وزفرت متق
ززة من المنظر!


تأملت الشارع العام والسيارات تأتي مسرعة لتشقه ، تحسرت على سيارتهم القديمة التي لا تمشي حتى يتعاون أفراد الأسرة على دفعها .. وأحيانا ، ركلها من شدة فقدان الأمل في سيرها!.


الشبان هناك يقفون مجتمعين ، مكونين حلقات صغيرة ، لكل واحد منهم سمة جمالية خاصة. فهذا أبيض البشرة وجنتاه محمرة ، وذاك طويل ممشوق تزين وجهه لحية خفيفة مرسومة بدقة على خديه ، وأخر كثيف الشعر تتلاعب به الرياح وشاربه صغير ملموم متجانس مع شفتيه الصغيرتين!.


لم تشأ النظر لزوجها فهي تحفظ وجهه تماما وتعرف أنه أبعد ما يكون عن الجمال..!


- لا أريده..


رفض الجميع الانصياع لرغبتها وزوجها منه ، رفضوا أن يكون سبب رفضها له أنه ذميم الخلقة .. فهل يجب أن يكون جميع الرجال بجمال يوسف؟!.


أمها تكرر بأن "الرجل لا يعيبه إلا جيبه" وأبوها يحثها على القبول به في زمن قل فيه الرجال الذين يخافون الله. أما إخوتها فنظراتهم تقول "لا تقبلي به" أما لسانهم فيكثر من الثناء عليه وذكر محاسنه بل المبالغة فيها.
أختها ، هي الوحيدة التي كانت تشاركها شعور الحسرة والانكسار..


- هل هذا ما ستظفرين به بعد كل هذه السنين من الانتظار؟!


- والدي يقول إنه رجل ممتاز!


- يا مجنونه .. هل أنتي عمياء؟! إنه قبيح ، يشبه أحدب نوتردام !

كل هذه الضجة تجد نفسها اليوم مضطرة إلى رميها خلف ظهرها.. فهل هي غبية حتى تفارق فلذة كبدها الأربعة الذين رحمهم الله ولم يشابهوا أباهم في شيء إلا في شعره الخشن المتجعد!!.

المزيد


في وجدان القرية

أكتوبر 16th, 2008 كتبها عبدالله الدحيلان نشر في , من وحي الإبداع

537ima

قدومُهم يحدثُ زلزالا  في تلك البقعة الصغيرة من الكرة الأرضية ! . الكل يخرج ليرحب بهم ، رجالا ونساء ، شيوخا  وصغارا .. الكل يطمعًُ في أعطية ٍ يرتكزُ عليها . فوالدها لا يزورنا إلا وينثر المال على جانبي الطريق . يغرسُ في يد كل واحدٍ منا جنيها ذهبيا لا يساوي مثقال ذرة من تركته الضخمة ، بينما يعد مجرد النظر إليه في قريتنا انجازاً .. فكيف الظفر به ؟! .

النساء يزغردن منتشيات فرحا ، وتتحلق مجموعة صغيرة من الصبايا ليرقصن بعيدا عن أعين الرجال الغرباء . أما الرجال ، فيطلقون الأعيرة النارية بكثافة بالغة .. ويستعرضون مهاراتهم الحربية من خلال رقصات شعبية تنبض بالفحولة ! .

سيارتهم الفارهة هي الوحيدة التي تمر من هنا . تشق الأتربة وتثير الغبار ، فتخلف وراءها عاصفة رملية تعكر ، للحظات ، صفو تلك السماء النقية ! .

قصرهم الكبير ، يقع هناك ، في طرف القرية . يمثل هذا القصر لأهالي القرية دنيا العجائب ، تحاكُ حوله القصص والروايات . فيقال : إن هناك بحيرة صغيرة يقصدها الهرم فيعود شابا فتيا  .. لذلك نجدهم يودعوننا كل عام ٍ ووجههم نضرة محمرة كأنها التفاح ! .

ويقال أيضا : إن سيارتهم الحديدية التي يستقلونها ما إن تغيب الشمس يلتفون حولها لتحكي لهم أجمل الحكايات في جلسة سمر لا تنتهي إلا بطلوع الشمس مرة أخرى ! .

إسرائيليات كثيرة تقال عن هذا القصر وما يدور فيه ، لا تصدق ولا تكذب .. ولكن يستأنس بها ! .

أعدُ الأيامَ بشغفٍ حتى تأتي كل عام وأملأ عيني منها . جميلة وصفٌ أختصر به كل المعاني التي قيلت في الحب منذ أن عشق العشاق ، وهام الهائمين . يا لها من نسمة تطير فتحلق خلفها الأعين .. تتبعها ، تراقبها ، تتأملها حيث لا مثيلَ لها في الدنيا ! .

أبيض من الحليب ، وأنعم من الزبد ، ولها همسٌ كأنه عزف ناي ٍ في وادي ٍ عميق يرتد صداه فتتكسر من أجله ضلوع الفؤاد . وحين تضحك .. يالله ! كأن الشمس أشرقت ؟! أم أن الأرض اهتزت وربت ؟! . قطعتي خوخ ٍ ممزوجة بالحمرة تنفرج قليلا  فيلمع عقد من اللؤلؤ المكنون .


هي ملاك ! أجمل ما رأيت في حياتي . اسم على مسمى ، ملاك ! .

لا تهبط ُ على أرضِ ٍ إلا هبط الخير معها ، تشعر بأنها ليست غنية متغطرسة بالمال وما يجلب معه من جاه ٍ وسلطة . هي بسيطة ، تبتسم حينما يبتسم الآخرون ، وتغضب .. وتكاد تدك الأرض دكا ، وتتحول من حمل ٍ وديع إلى ذئب مفترس حينما ترى طفلاً يبكي أو يتضور جوعاً . فلا تقاوم ، تذرف دمعة نقية ، يشبه لناظر أنها قطرة سقطت فجأة من جوف السماء .

وأنا صغير ، كنت أجلس بجوارها كل

المزيد


في الظلام الدامس تختفي الأشياء

يوليو 13th, 2008 كتبها عبدالله الدحيلان نشر في , من وحي الإبداع

450ima

لا ترى شيئا ، وإن رأيت لا تستطيع أن تحدد ما هو . كل الأشياء تشابهت . لم يعد هنالك فرق ، ولماذا الانشغال بالفروق .. وهل يجدي ؟ فهل ستحيي ميتا أم ستعود المرآة المكسورة كما كانت؟ . لن يعود شيئا أبدا ، فكل ما مضى .. مضى ، وليس هناك مجال لاسترجاعه والمحافظة عليه .

في الظلام الدامس تختفي الأشياء . لا نرى إلا سوادا .. وكم يغرينا السواد . فهو يحجبنا عن أنظار الآخرين ، يحول بيننا وبينهم ، فلا هم يعلمون ما بنا ، ولا نحن نود معرفة شيء عنهم . إنه الظلام ، نعمة نتذكرها .. متى احتجنا لها .

الأيام تتلاحق وهي أسيرة لظلام ، تدفن فيه السر الذي لو قالته لغيره لذاع وانتشر ، فالمفقود غال ٍ لا يعوض ، إنه بالنسبة لها الحياة .. فكيف بعد فقدانه تصنف من الأحياء ؟! . إنها ميتة تسير على الأرض ، جثة لا روح فيها ، تأكل هما وتشرب غما .

تنظر للمرآة ، عندما تضطر لمواجهتها ، فتجد صورة أخرى لا تعرف صاحبتها ، فمن تكون صاحبة هذه الملامح الشاحبة ، والعينين البارزتين اللاتي يحفهما السواد من الأسفل ، والبثور التي تملء الوجه ، والشعر الذي بانت عليه آثار العفن وقلة الاهتمام ، وذلك الجسم الهزيل الذي ذبلت معالمه وتضاريسه ؟! .

تبعد وجهها عن المرآة ، كي لا ترى الحقيقة ، كي لا ترى نفسها محطمة أكثر مما هي محطمة ، حيث لم تبقى لها فسحة من أمل ، أو بصيص من نور . تلجئ إلى

المزيد


صـراع

أبريل 21st, 2008 كتبها عبدالله الدحيلان نشر في , من وحي الإبداع

250ima

أعطى البائع نقوده ، حمل أمتعته وأوراقه ثم خرج مسرعا . ارتطم بذلك الرجل الثلاثيني الذي أبدء أسفه ، كونه مشغول بقراءة الورقة التي بين يديه المليئة بالطلبات .

خرج الشاب وهو يصلح هندامه ثم راح يقلب بصره في الشارع العام ، أملا أن يلمح سيارة أجرة تقله إلى مسكنه .. فلم يجد ، طال مكوثه ، مل الانتظار ، سرح بفكره بعيدا حيث النقاش المحتدم بينه وبين والده حول شراء سيارة جديدة له ، بدلا من سيارته التي تمكث بالأسابيع في ورش الصيانة ! .

- لا أريدها حديثه.. ولكني أريد سيارة تلبي احتياجاتي .

أعرض الأب وكأنه لا يسمع صوتا ! طأطأ الشاب رأسه وتبسم ساخرا من الموقف بأكلمة .

واصل تحديقه إلى الشارع العام .. لكن دون جدوه ، وكأن سيارات الأجرة التي تملئ الطرقات طوال الوقت ، وتمر بجواره بسرعة جنونية قد انقرضت الآن عندما أراد أحدها .


نظر إلى ساعته ، فلاحظ دنو أذان صلاة العشاء ، التفت حوله فوجد على يمينه مسجدا صغيرا في زاوية محطة الوقود ، فقرر في حالة عدم وجود سيارة أجرة توصله لمنزله سوف يصلي العشاء في هذا المسجد .. حتى لا تفوته صلاة الجماعة ! .

نظراته بائسة ، حزينة ، قلقة ! . عقد حاجبيه ، ومد شفتاه إلى الأمام معبرا عن فقدان الأمل ! .

من فرط ملله تخيل نفسه في أحد السيارات الفخمة التي تزدحم بها المواقف التي أمامه ، وهو يمسك بالمقود بكل غطرسة ، وينظر للذي بجواره باحتقار كون سيارته قديمة ، وصوتها مزعج ! ثم ينطلق بسرعة الريح ، والمسجل يصدح بأعلى صوته .. وهو يتمايل من نشوة الطرب ! .

ابتسم ! نسى همه وغمه ، ارتخت عيناه ولم تعد شاخصة تنتظر الفرج . آمال رأسه يسارا ، فوقعت عيناهما على بعض ، فطال نظره .. ومن دون شعور منه فغر فاه من هول ما رأى ، تعالت وجنتاها مبتسمة ، فابتسم هو الآخر كالأحمق ! .

لوحت له بيدها .. فاندهش

المزيد


ضـحـيـة

مارس 17th, 2008 كتبها عبدالله الدحيلان نشر في , من وحي الإبداع

463ima 

يقاد كما تقاد الذبيحة إلى قاتلها ، الطريق طويل ، لا يرى فيه سوى بياض وباب في أخر الردهة . ينتظر الوصول إليه ، ليس حبا فيه أو فيمن يقطنه ، ولكن لينجو من بطش هؤلاء السجانين الذين لم تكف أيديهم ولا أقدامهم ، طوال الطريق ، عن الضرب بهذا الجسيم الهزيل .

 
بشق الأنفس وصل محمود إلى الباب ، قرأ ما كتب عليه “مكتب الضابط” . فتح أحد السجانين الباب ثم قذفوه إلى الداخل وأغلقوا الباب ، ألتصق وجهة بتلك السجادة الفاخرة ، أغمض عيناه .. فنام كالميت ! .

مرت أحداث الثلاثة أيام التي قضاها في السجن كلمح البصر ، لم يكن يتوقع في يوم من الأيام أنه سيحل هنا ضيفا .. ويا لسوء الضيافة ! .

في غرفة مظلمة أقعدوه ، لا يوجد إلا نور خافت بالكاد يرى المرء فيها يده . صفعات متتالية ، ركلات في كل مكان ، وهذا يبصق في وجه ، وذاك يسحله على الأرض ، وآخر يطعن في عرضه ويصفه بالدناءة والخسة ، وأنه حيوان لا يستحق العيش .

 
- ألن تتحدث ؟!

- (بصوت ضعيف ومهزوز) أتحدث عما ماذا يا سيدي ؟!

- أقدر لك ذكاءك .. ولكن نحن نعرف كل شيء ، فلا داعي للمراوغة

- أقسم لك بالله العظيم أنني لا أعرف شيئا .. لا أعلم لماذا أنا هنا

- (تبسم بخبث) سأدعك تفكر قليلا .. وأنصحك بالصراحة .. فنحن كما قلت لك نعرف كل شيء ، كل شيء ! .

مسح أنفه الغارق بالدم بطرف قميصه ، ثم ابتلع ريقه الناشف بصعوبة ، وراح يتكور على نفسه ، ويلملم ما بقي منه ، ثم غرق في السواد الذي يملئ الغرفة .. وراح يتذكر شيئا يستدعي لأجله أن يكون هنا .

هل قتل نفسا ؟! أو سرق بيتا ؟! أو ضرب شيخا كبيرا ؟! أو ظلم أمراء في مال وأكل عليه حقه ؟! .. كل هذا لم يصدر من قبله ، بل أنه يقوم بغسل سيارته يوميا ، خشيت أن تكون هناك مخالفة لمن يدع سيارته متسخة !! .

ما هو العمل الذي قد يقوم به فتكون عاقبته السجن وكل هذا العذاب ؟! غرق في ذاكرته ، قلب صفحات حياته مليا ، لم يجد شيئا يستحق أن يكون بسببه هنا .. بين هؤلاء الوحوش ، هل


المزيد


الطــاولـــة

يناير 29th, 2008 كتبها عبدالله الدحيلان نشر في , من وحي الإبداع

لا يوجد غيرهما على تلك الطاولة ، طاولة عادية جدا تتوسطها وردة يتيمة . ينظران لبعضهما البعض ، لا يجدان ما يثير ، فيصرف كل واحد منهما وجهة للجهة الأخرى .

صمت يخيم على تلك الطاولة ، لم يتحدثا منذ وصولهما . نظر إليها بطرف عينه وقال "ماذا تأكلين ؟" فأجابته وهي تتفحص قائمة الطعام جيدا "لا أدري .. المهم أن نأكل" وضع قائمة الطعام التي كانت يقرأها على الطاولة وراح يصفق يده بالأخرى وهو ينادي "أيها النادل" حضر إليه النادل متبسما ، وراح يسأله عما يريده من الأطعمة ، فطلب منه أن ينوع لهما من جميع الأصناف ، وأن يأتي بالطلب سريعا ، فلا طاقة له بالانتظار … ! .

أشعل سيجارته ، وراح ينفث الدخان في الهواء ساخرا من كل ما حوله ، بينما هي ظلت تقلب ناظريها في هاتفها المحمول ، تقرأ الرسائل الكثيرة التي تحتفظ بها منذ فترة الخطوبة ، تقلبها الواحدة تلو الأخرى .. "كتبت أسمك ِ بدمي حتى لا أنساك ِورسمت صورتك في عقلي حتى لا تغيبي عني ونثرت عطرك في داري لتزوريني في أحلامي .. فأنتي الحياة كل الحياة" .

تنهدت ، وعدلت من جلستها ، ثم نظرت لزوجها فوجدته يشعل السيجارة الثانية ويداعب الوردة بكل رقة ولطف !! فاستمرت في القراءة .

"بالرغم من البعد وطول المسافة أشعر أنك ِ بجواري تلاعبين شعري و تضمين يدي إلى صدرك ِ وتزرعين على خدي قبلة .. فهل تشعرين بهذا الشعور ؟!" .

تبسمت ساخرة من الرسالة ! . نظرت إلى كوب الماء ، وراحت ترى انعكاس صورته فيه ، ولم تتفاجئ .. فلقد كانت غير مستقرة ! تراوغ وتخادع ، فأمسكت بالكوب قليلا ، فلم يحدث شيئا ، ولكن بعض الاهتزازات التي لم تغير حال الصورة ! .   

قبضت على الكأس بكل قوتها ، وراحت تدقق في ملامحه ، وفي تقاسيم وجه ، لقد كانت مموجة غير ثابتة ، تذهب يمنا وشمالا . تحاول جاهدة لملمة الصورة ، فأبعدت يدها عن الكأس ، وانتظرت حتى هدأ الماء ، وشيئا فشيئا ثبتت ، أمالت رأسها قليلا لعلها تصطاد شيئا من ملاحمه . نظرت لفمه ، فوجدته كبيرا ، ولا تزينه تلك الابتسامة التي رأ

المزيد


المـصــير

نوفمبر 10th, 2007 كتبها عبدالله الدحيلان نشر في , من وحي الإبداع

(1)

وقفت تتأمل الباب الخشبي المترهل الذي تغير لونه من اللون البني الجميل إلى اللون الأصفر الباهت وقد أمتلئ بالشقوق ، وضعت يدها عليه ودفعته برفق خوفا من انهياره ، فتراجع ببطء مخرجاً صفيراً مزعجاً . تقدمت ، كادت أن تسقط على وجهها لنسيانها أمر العتبة المبنية في أسفل الباب ، رفعت قدمها اليمنى ودخلت تمشي بهدوء ، فالغرفة مليئة بالغبار ، والحشرات وجدتها خير مأوى لها .

الغرفة مظلمة ، والشبابيك مغلقه ، بحثت عن المصباح فلم تجده ، تركل بقدميها دون أن تشعر كتباً  ملقية على الأرض ، وأوراقاً ممزقه . ارتطمت بالدولاب ، فنكبت عليها الملابس وقوارير العطور ، فراحت ترميها بعيدا عن وجهها ، فرائحة الملابس النتنة تقتل ، والعطور لم تعد عطورا ولكنها مادة سائلة لزجة تقشعر منها الأبدان .

قامت مذعورة تصرخ بأعلى صوتها تبحث عن الباب لتخرج من هذه الغرفة ، ذهبت إليه مسرعة ، وما أن وصلت حتى وقفت ، وكأنها قد نسيت شيئا أتت من أجله ، فلتفت إلى الغرفة المظلمة وتنهدت وعادت إليها وهي ترتجف .

دخلت هذه المرة قاصدة تكسير هذه الشبابيك المغلقة ، فالظلام يعني الموت والنهاية ، بينما الضوء يعني الحياة والتفاؤل ، فاندفعت إليها بقوة وراحت تضربها بيديها النعامتين وهي تبكي بحرقة وتردد “لماذا .. لماذا” . يديها قد ملئت بالدماء وانهارت تماما فلم تعد تشعر بما تقول وتفعل .

فتحت الشبابيك وغزا النور الغرفة وأتضح كل شيء ، السرير الحديدي ، الطاولة الخشبية وقد نثرت عليها الكتب ، الدولاب الصدأ ، الحصير الممتد على الأرض وقد ملئ بالأوساخ والحشرات الميتة ، قفص الطائر البلاستيكي ، شماعة الملابس التي لا يوجد عليها إلا ثوب وحيد.

نظرت للغرفة بعيون حمراء كالجمر فتذكرته وهو ينام على سريره بينما هي تقف الساعات الطوال تنظر إليه من ثقب الباب ، وتتذكره وهو يجلس على الطاولة يقلب كتبه بنهم فتدخل عليه حاملة كوبا من الشاي فينظر إليها بعينيه الساحرتين ثم يبتسم ويشكرها بكلمات غزل لا تمل سماعها ، تنظر إلى دولابه الذي كانت تعنى بترتيبه ، فتضع ملابسه

المزيد


هناك ..!

سبتمبر 17th, 2007 كتبها عبدالله الدحيلان نشر في , من وحي الإبداع

ألبسوني لباسا غريبا ، هذا أخر ما أتذكره .. من بعدها بدأت الدنيا تتغير ، وجوه كثيرة .. أعرف بعضها ، والبعض الآخر لم أره في حياتي .. أصوات غريبة ، أمتزج فيها الضحك بالصراخ والعويل .. أماكن مختلفة .

ما الذي يجري ؟ لا أكاد أصدق ما أسمعه وأراه ، ما الذي حل بالدنيا ؟ لماذا تتغير وتتبدل في غمضة عين ؟ هل قرب موعد قيام الساعة ؟ هل سيخرج الآن الناس للعرض على ربهم ؟ هناك من سيدخل الجنة .. وهناك من سيلج إلى النار ، فمع أي الفرقين أنا ؟ ولكن هل أنا حي أو ميت ؟ كيف لي أن أعرف ؟ منذ أن دخلت هذه الصومعة الغريبة وأنا أشاهد الأحداث تمر أمامي تباعا ، كأنها فلما سينمائيا ، الناس يتحركون بسرعة ويتحدثون بغرابة في المقابل لا أجد نفسي معهم إلا متفرجا تارة .. وتارة أخرى ، بطلا للمشهد ، ومجازفا لأقصى حد !.

وددت معانقة أمي عندما رأيتها فجاءه تعد الطعام ، أردت أن أرتمي في حضنها باكيا ، أريد أن أحد

المزيد


التالي