إضاءة : هذه الورقة قدمت في ندوة (الفكر العربي .. إلى أين ؟!) التي احتضنها منتدى أنساق ، وبجوار هذه الورقة قدمت ورقتين تتناول أزمة الفكر القومي والإسلامي في الوطن العربي .

عندما تتحدث عن الليبرالية فأنت تتحدث عن شيء عائم لا قرار له ، يتبدى مفهومه سواء في طرحه الفلسفي أو السياسي أو الاقتصادي مفهوما زئبقيا ينفلت من التحديد والتعريف ، مفهوما غارقا في الالتباس . زئبقيٌ لا يحمل تعريف محددا أو على الأقل إطارا عاما يحدد المسموح به من غير المسموح . فأنت حر في كل شيء ولا يوجد هنالك ضوابط ومحرمات ، فهي إن وجدت تعد وصاية على العقل ، ومصادرة له ! .
ولقد حاول الليبراليين تعريف الليبرالية ولكنهم فشلوا في ذلك لكونهم لا يتطرقون إلى التعريف الاصطلاحي ويكتفون بالتعريف اللغوي فيقولون هي “مصطلح لاتيني معناه بالعربية حرية التفكير” . أما اصطلاحا فهم يدورون في فلك من سبقهم ، من شيوعية وقومية ، في ترديد شعارات معينة لا تتجاوز الحرية والعدل .
الليبرالية أول ما بدأت في أوروبا ثم انتقلت للعالم أجمع ، وتم تداولها في الفكر العربي في القرن التاسع عشر ، وأبرز رجالاتها في أوربا هم (جون لوك - وآدم سميث - وجيرمي بنثام - وجان فرانسوا فولتير - وجان جاك روسو - وأليكسيس دي توكفيل) .
وتعود جذور الليبرالية إلى أفكار جون لوك، الذي يؤكد على فكرة “القانون الطبيعي” ووفقا لهذه الفكرة فإن للأفراد بحكم كونهم بشرا حقوقا طبيعية غير قابلة للتصرف فيها ، كحرية الفكر وحرية التعبير، والاجتماع ، والملكية . وفكرة الليبرالية الأساسية في الاقتصاد هي الحرية الاقتصادية ، بمعنى عدم تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي ، أو أن يكون تدخلا محدودا وعلى أضيق نطاق .
وآمن المذهب الليبرالي بقيمة هامة وأساسية بالنسبة لبنائه الفكري ، وهي الفردية ، فالفرد هو الأساس ، وواجب الدولة والمجتمع حماية استقلاله ، وتسهيل سعيه لتحقيق ذاته ، وإتاحة المجال أمامه للاختيار الحر.
حريٌٌ بنا أن نأخذ نموذجا عربيا لتمثيل على الفكر الليبرالي وكيف تسلل إلى العالم العربي ، ومن هم رموزه ، وما هي طريقتهم لإيصال هذا الفكر . ولعل أبرز مثال وأوضحه هي التجربة الليبرالية في مصر ، فلقد أرخ لها الكثير واستعرضها ، ومنهم الدكتور بسام البطوش في كتابه (الفكر الاجتماعي في مصر) . لذلك سوف انقل من الكتاب مقتطفات وبتصرف يسير عن الليبرالية في مصر.
فلقد كان أهم منفذ لليبرالية في مصر هي الحملة الفرنسية ، فهي قد شكلت صدمة ثقافية وفكرية لمصر، وفتحت عيون المصريين على عالم جديد ، وساهمت في تعريفهم بالفارق الحضاري الذي يفصلهم عن أوروبا . غير أن قصر الفترة التي مكثها الفرنسيون في مصر، إضافة إلى عدم استقرار الأوضاع لهم كما يشتهون ، إلى جانب عدم الاندماج الفاعل بينهم وبين الشعب المصري كل ذلك قلل من حجم التغيير والتأثير في المجتمع المصري .
وإلى جانب الحملة الفرنسية ، كمنفذ من منافذ الليبرالية ، كانت البعثات إلى أوربا والخبرات التي جلبت لمصر منفذا جديدا . وقد بدأت حركة الابتعاث عام 1813م بإرسال مجموعة من الطلبة المصريين إلى إيطاليا ، وتواصلت سياسة الابتعاث طوال القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين ، وبعد عودة المبتعثين عملوا في حقول التعليم والجيش والأعمال الهندسية والطب والترجمة ، وكان دورهم واضحا في تشكيل البيئة المناسبة لغرس أفكار التحديث الأوروبية .
كما عمل الليبراليين على ترجمة كتب كبار الليبراليين لتعريف بفكرتهم وإلى ماذا تهدف . ومن الكتب التي تمت ترجمتها “أصول الشرائع” لبنتام ، وكتاب “سر تقدم الإنجليز السكسونيين” لصاحبه إدمون ديمولان ، وكتاب “روح
المزيد