لا يدان المرء بشيءٍ ليس به .. ولا خلق بالناس معصوم الزلل

صـراع

كتبهاعبدالله الدحيلان ، في 21 أبريل 2008 الساعة: 21:39 م

250ima

أعطى البائع نقوده ، حمل أمتعته وأوراقه ثم خرج مسرعا . ارتطم بذلك الرجل الثلاثيني الذي أبدء أسفه ، كونه مشغول بقراءة الورقة التي بين يديه المليئة بالطلبات .

خرج الشاب وهو يصلح هندامه ثم راح يقلب بصره في الشارع العام ، أملا أن يلمح سيارة أجرة تقله إلى مسكنه .. فلم يجد ، طال مكوثه ، مل الانتظار ، سرح بفكره بعيدا حيث النقاش المحتدم بينه وبين والده حول شراء سيارة جديدة له ، بدلا من سيارته التي تمكث بالأسابيع في ورش الصيانة ! .

- لا أريدها حديثه.. ولكني أريد سيارة تلبي احتياجاتي .

أعرض الأب وكأنه لا يسمع صوتا ! طأطأ الشاب رأسه وتبسم ساخرا من الموقف بأكلمة .

واصل تحديقه إلى الشارع العام .. لكن دون جدوه ، وكأن سيارات الأجرة التي تملئ الطرقات طوال الوقت ، وتمر بجواره بسرعة جنونية قد انقرضت الآن عندما أراد أحدها .


نظر إلى ساعته ، فلاحظ دنو أذان صلاة العشاء ، التفت حوله فوجد على يمينه مسجدا صغيرا في زاوية محطة الوقود ، فقرر في حالة عدم وجود سيارة أجرة توصله لمنزله سوف يصلي العشاء في هذا المسجد .. حتى لا تفوته صلاة الجماعة ! .

نظراته بائسة ، حزينة ، قلقة ! . عقد حاجبيه ، ومد شفتاه إلى الأمام معبرا عن فقدان الأمل ! .

من فرط ملله تخيل نفسه في أحد السيارات الفخمة التي تزدحم بها المواقف التي أمامه ، وهو يمسك بالمقود بكل غطرسة ، وينظر للذي بجواره باحتقار كون سيارته قديمة ، وصوتها مزعج ! ثم ينطلق بسرعة الريح ، والمسجل يصدح بأعلى صوته .. وهو يتمايل من نشوة الطرب ! .

ابتسم ! نسى همه وغمه ، ارتخت عيناه ولم تعد شاخصة تنتظر الفرج . آمال رأسه يسارا ، فوقعت عيناهما على بعض ، فطال نظره .. ومن دون شعور منه فغر فاه من هول ما رأى ، تعالت وجنتاها مبتسمة ، فابتسم هو الآخر كالأحمق ! .

لوحت له بيدها .. فاندهش وتعالى حاجباه ، وراح يتلفت كالمجنون خوفا من أن يراهما أحد ..


- هل هي جادة ؟! ماذا تريد من صعلوك مثلي ؟! لست وسيما لتعجب بي .. هل تريد مني أن أجلب لها شيئا من السوبر ماركت ؟! ..

لوحت له مرة أخرى ، فأشار إلى نفسه متعجبا (هل تعنيني أنا ؟!) فانفجرت من الضحك على حالته المزرية .. وكيف هو متوتر ومرتبك ، رأى وجنتيها ترتفع وعينيها تضيق وتبرق منهما لمعة ، فعرف أنها تضحك ، فضحك معها مرة ثانية كالأهبل ! دون أن يعلم أنها تضحك من سذاجته وقلة حيلته ! .

ببطء ، تميط اللثام عن وجهها ، فشع نور بياضه في عتمة السيارة ، ثم أخرجت لسانها لترطب شفتيها بغنج ، مع ابتسامة خفيفة توحي بالإعجاب والرغبة ! . لم يعد يحس بمن حوله ، يشعر أنه يطير ، يرتفع إلى الأعلى ولا ينزل إلى الأسفل ، فهو كالقشة التي تتلاعب بها الرياح دون أخذ إذن منها ! .

عضت على شفتها السفلية بقوة ، حتى تركت آثار أسنانها عليها ، ضمت فمها على نفسه ، حتى ارتد ببروز مرسلا قبلة حارة شعر بها دون أن ينالها عن قرب ! .

كأن به مسا كهربائيا .. راح يرتجف ويتحرك بانفعال ، يريد حلا ! سئم الوقوف ومشاهدة ذلك الجليد الأبيض يذوب ويتصبب منه الماء بغزارة في كل اتجاه وهو بعيد عنه لا يشرب منه ولو كأسا واحدا على الأقل وهو الظمآن ، ناشف الريق ! . بدون تفكير منه هم بالإقدام على السيارة ، لا يعلم بالضبط ماذا يريد أن يفعل ، ولكنه شعر أن الوقت قد حان للهجوم ، يجب الاقتراب وإحداث رد فعل تسكن من بعدها النفس وتستريح ! .


خطى خطوته الأولى ، إلى أنها ردته بنظرة حازمة وهزت رأسها رافضة . فهم أن الحل ليس بالإقدام والتهور فبتأكيد هناك حل أخر ولكنه لا يعرف ما هو فهو لم يسبق له أن خاض أي تجربة مع النساء ! .

تنظر له وهي تتبسم ، وتعظ على طرف إبهامها .. ولكنه لم يتبسم هذه المرة ، كون الموقف قد خرج عن سيطرته ولا يستطيع التبسم الآن ! .

رمزت له بيدها ولكنه لم يفهم .. كررتها ، ولكنه أيضا لم يفهم ، فلوح لها بأنه لم يفهم شيئا من هذه الرموز.. فهل توضح له أكثر . فنطقتها بالهواء ، مرتين على الأقل ، فهز رأسه أن فهمت .. وتعجب ، كيف لم يفهم من حركة يدها أنها تريد رقم هاتفه الجوال ! .

فكر بالوسيلة الممكنة ، كيف له أن يرسل لها رقمه .. فأشارت عليه بعينها أن أكتب على ما في يدك من ورق ، ففرح وهم يدون الرقم الواحد تلو الآخر ..

صاح المؤذن بصوت شجي (الله أكبر .. الله أكبر.. ) .

توقف عن الكتابة ، كأن يده قد شلت ، صراع داخلي يقطع ضميره إربا إربا ، مع كل صيحة للمؤذن يشعر أن هناك زجاجة رميت من أعلى قمة في العالم قد كسرت في داخله وصوتها يدوي في أذنيه .

خرج الناس من السوبر ماركت أفواجا ، محملين بالأكياس الثقيلة . رأوا الشاب والدموع تجري منه بلا هوادة ، ولا يكاد يصلب عوده ، تساءلوا فيما بينهم ، فلم يجيب على أسئلتهم إلا الصدى وذلك الرجل (لم أرتطم به بقوة .. لم أكن متعمدا) ! .

هرول الشاب إلى المسجد مقطعا حبالا قيدته ولفت حول جسده كله .. تاركا مشترى من السوبر ماركت غير مبال ٍ به .

عاد الرجل إلى سيارته ووضع ما في يده من حمل ، وسأل زوجته التي ما أن رأته يخرج من باب السوبر ماركت حتى عدلت جلستها وواست لثمتها ..

- لماذا يبكي هذا الشاب ؟! .

- لا تبالي أنه مريض نفسيا .. فلننطلق إلى منزلنا حبيبي فلقد اشتقت لك كثيرا ! .

سُعد الرجل بهذه الكلمة .. وانطلق بسيارته مختالا فخور !! .

 عبدالله الدحيلان
(سفير الكتابة)

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : من وحي الإبداع | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

12 تعليق على “صـراع”

  1. الحمدلله أنه أذن ولا كان صارت سالفة :)

    بصراحة جذبتني القصة ودخلت فيها ولكنني لم أر المرأة حتى لا يتهمني أحد بالزيغ

    “فلننطلق إلى منزلنا حبيبي فلقد اشتقت لك كثيرا ! ”

    هذا ما تعودناه في المجتمع من تملق ونفاق لأجل المصالح

    لك فائق احترامي على هذا السرد الرائع،،،

  2. قصه تحوى الكثير من المعنى ..بين وقت القهر….. بين الجمال والجاذبيه … …وصوت

    الضمير كما قلت (صراع) نفسي..

    فهمته بنفسي لكني لم استطيع ان اعبر عنه لك بالكتابه

    اعجبني اسلوبك وراقني كثير فيه شىء مميز

    دمت مبدع ياسفير الكتابه

    انا سمفونيه الحب لكنني نسيت رقم الباسورد ولكن كنت متشجعه لرد ع القصه

  3. أخي فهد ..

    جسلت أكثر من يوم أضحك من الأعماق على تعليقك (الحمدلله أنه أذن ولا كان صارت سالفة) ! .

    شاكر لك مرورك الدائم من هنا ..

  4. يؤسفني نسيانك رقم المرور ..

    أعصري أفكارك ، فقلمك .. لا يمل .

    دمت بذاكرة قوية !

  5. بين الرغبة والخُلق يكون الصراع

    شخصية الأنثى في قصتك ذكرتني بحادثة حقيقية (خيانة زوجة) رواها لي صاحب الزوجة أسمح لي أخبرك بها:

    هو شاب عمره 27سنة تعرف على سيدة متزوجة كفيفة عمرها 43سنة كان يأتيها في بيتها بعد آذان الفجر حين يخرج زوجها للصلاة!

    فانظر إلى المفارقه في قصتك و هذه

    وكيف أن الأذان كان له دور لكن مختلف فهنا كان هو النهاية و هناك كان البداية.

    لك احترامي.

  6. حسبنا الله ونعم الوكيل ..

    هذه الأنفس تغتالها (الشهوة) لذلك ترمي كل شيء وراء ظهرها !

    لك كل التقدير ..

  7. خيانة أصبحت كشربة الماء ! , بـل أصبح الوفاء يا عزيزي مستغرباً فطوبى للغرباء .

    في الحقيقة لم استغرب الخيانة في قصتك الشيقة , لكنني أتسائل إلى متى

    الشآب يتصنـم ويتجمد كأنه تمثلاً هامداً بمجرد رؤية قطعة قماش سوداء اللون !

    وإلى متى ولُعاب شبابنا يسيل في الأزقة والطرقآت من هول ما يشاهدون , فتلك

    الأهوال ما هي إلا قطرة من بحـر الجمآل الشرقي التي تحتويه ” سوريا ولبنان “

    فكيف يكون حاله عندما يُحتم عليه قدره السفر لتلك الديآر !!

    التعقيبات على هذه القصة تطول , وهي رائعة بأسلوبها وبمضمونها ولو كانت شعراً

    لكانت من القصائد المرغوب بها عند ابن قتيبة , الذي سوف يحكم عليها ومنذ الوهلة

    الأولى بأنها ممن جاد لفظه وحسُن معناه .

    رفيقك في دهاليز الدراسة …

    يــاسر

  8. حييت ياسر ..

    وأحمد الله أن القصة جذبتك ودفعتك لتعليق !

    إجابة على تساؤلك حول صدمت الشاب مما يرى فالحل هو الوازع الديني الذي يحكم كل طرف .. والقضية لا تتعلق بلبنان المحترقه الآن ، أو في السعودية الأمنة أدام الله أمنها .

    إذن القضية (سيكولوجية) بحته .. في كل مكان وزمان .

    دمت بحفظ الله

  9. ستظل النساء من أشد الفتن التي يخشى منها على الرجال .. لقد تجسدت هذه الحقيقة جلية في صراعك أديبنا المبدع عبد الله .. والخطورة لم تطل الشاب فقط وإنما تجاوزته إلى الزوج المسكين بل إنني أرى بوجهة نظري أن الصراع خفف من حجم الخطورة على الشاب فقد تراجع وندم وبكى ولكن الزوج مازال مهدداً بسلاح خفي صوبته امرأته إلى ظهره ولا يدري متى سينغرز نصله باحثا عن قلبه ..

    فكرة هادفة أطرها أسلو ب سردي رائع

    تقبل باقة ياسمين تحية إلى شخصك المبدع أستاذ عبد الله الدحيلان

  10. بارك الله فيك أختي فاتن ..

    ويسعدني زيارتك لمدونتي ، على آمل التواصل معها بعد ذلك

    صدقت ِ ، النساء أشد فتنة على الرجال كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ، وما هذا الشاب المسكين ، إلا ضحية من عشرات الضحايا الذين يعانون الأمرين في صراع طاحن يحرق قلوبهم وهم يرون نساء كاسيات عاريات .. ثم تستغرب من هؤلاء النساء و هن يتعجبن من معاكسات الشباب لهم !!

    وبخصوص الزوج ، فكم وقع في قلبي ما وقع عليه من تحسر على حاله ، وكيف أن هذه المرأة لعبة عليه حتى أوهمته أنها تحبه .. في حين الواقع القريب يكذب ذلك ، فما بالك بالواقع البعيد !!

    دمت بسلام أختي فاتن ..

  11. الخيانة لا تعرف رجلا ولا امراة

    فمن يريدها يقوم بها وبأي وقت ولكن حمدلله ان صوت الاذان كان هنا المنقذ

    رغم انه كما ذكر البعض هنا احيانا يكون النهاية واحيانا البداية فكم من فتاة وجدت في وقت الاذان فرصة لفعل ما تريده من وراء ظهور اهلها واخوتها المنشغلين بالصلاه والتوجه الى المساجد

    وكم من فتاة وفتى وجدوا في شهر رمضان وبكل اسف وفي اوقات صلوات الترايح وقيام الليل منفذا لهم لفعل ما يحلو لهم

    اعاننا الله واياكم على العبادة والطاعة والثبات وانعم الله بالهداية والعودة إليه لكل من ضل عن طريقه

    كاتبنا عبدالله الدحيلان سلمت على هذه القصة الصراعية الرغبات :)

    اشكرك على ما كتبت وعلى هذه القصة التي استمتعت بقراءتها :)

    كن بخير

  12. يسعدني أن أراك هنا .. اختي منى

    صدقتي ، احيان كثيرة تستغل مواطن العبادة والطاعة إلى فسوق وعصيان ..

    ومع ذلك ازعم أن هناك من يعيده ضميره الحي إلى جادة الصواب والعدول عن الأخطاء ، نسأل الله أن نكون منهم

    دمت ِ بخير ..



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر