لا يدان المرء بشيءٍ ليس به .. ولا خلق بالناس معصوم الزلل

هذا ما رأيت في معرض الكتاب (2)

كتبهاعبدالله الدحيلان ، في 30 مارس 2008 الساعة: 21:45 م

349662

(2)

وقت صلاة المغرب كنت في المسجد التابع لمجمع العزيزية المجاور لمعرض الكتاب ..

- المعمول على عشرة .. قرب يا ولد !

- تمر .. خلاص الخرج ، خلاص الحساء !

- عود كمبودي .. لا يفوتك الزين !

- البسام ، جيفنشي .. شمغ ، نظرات ، ساعات !

كل هذا لا يبعد عن مقر المعرض أقل من عشرين مترا !! . لا أعلم سببا لهذه الفوضى ، كل عام يتحول معرض الكتاب إلى (حراج) تجد فيه ما تشتهي ، بل في أحد الأعوام كانت تباع كتيبات صغيرة ، تنافس ، كدار خارج حدود المعرض ! .

المعرض مكتظ بالزوار ..

الإعلانات كانت السمة البارزة التي لفتت انتباهي ، فلم أجدها صباح يوم الأربعاء .. بل كانت معدومة . من ضمنها إعلان كبير للإعلامي المشهور ، مقدم برنامج (إضاءات) تركي الدخيل لإصداره كتابا جديدا يحمل عنوان (كنت في أفغانستان) .

الكتاب كان مثار طلب ، وليس جدل ! . فلقد نَفَذَ بسرعة وساهم بنفاذه إعلان يتردد بين الفينة والأخرى مسبوق بنغمة تنبيهيه يليها صوت (امرأة) تروج للكتاب لا فتتا عناية زوار المعرض إلى أن مؤلفه موجودا لتوقيعه الآن .

رغم حبي للأستاذ تركي الدخيل إلا أنني فضلت عدم الاندفاع والتزاحم مع الناس ، وأرجئت ذلك إلى أن يخف الطلب .. كل هذا ألوكه في ذهني دون أن أعرف مقر توقيع الكتاب ، ومدته ، بل لم أشاهد الدخيل حتى الآن ! .

أقبلت بنهم على دار (المركز الثقافي العربي) واشتريت منه أكبر قدر ممكن من الكتب ، كان دارا حافلا وزاخرا بكل ما تعنيه الكلمة . أولا ما اقتنيت هو كتاب حسن حجازي (التخلف الاجتماعي) كما حرصت على اقتناء ما ينقصني من كتب الناقد الدكتور عبدالله الغذامي وخاصة كتابه الإبداعي (حكاية سحارة) .

عاودت الزيارة لـ (رياض الريس) فقابلني البائع بنفس تلك الملامح التي قابلني فيها في المرة السابقة عندما سألته عن رواية (جانجي) لطاهر الزهراني فوليت وجهي شطر دار الساقي .. كما حدث في المرة السابقة ! .

قلبت إصدارات الدار مليا ، وخاصة ما يتعلق بعالم الرواية .. فوجدت الأعمال تعاني من الهبوط في القيمة الفنية وهذا مرده بالتأكيد إلى ضعف المضمون ، هذا إن وجد مضمون في الأساس ! .

يعمد البائع في الساقي على إبراز مؤلفات د. تركي الحمد ، فهو يعلم أن هذه الكتب تبيع ، بل أكثر من يقبل عليها هم معارضين الحمد أنفسهم ! .

- يا أخي كتاب (لا تحزن) أفضل مائة مرة من قلة حيا (بنات الرياض) .. استغفر الله بس ! .

هكذا علا صوته . كان يخاطب أحد زملاءه الذي بدأ في تقليب (بنات الرياض) . كنت أود المداخلة بما أنه رفع صوته (متعمدا) ليسمعنا حديثه ، أن كتاب (لاتحزن) لدكتور عائض القرني ، الذي أتشرف بوضعه في مكتبتي الخاصة ، قيم وثري وساحر من الصفحة الأولى إلى الصفحة الأخيرة ، ولكنه مختلف عن (بنات الرياض) فهذا فن وذاك فن . صحيح أنني أرفض هذا الكتاب – الذي يطلق عليه مجازا لفظ رواية ! – وهذا عائد إلى أنني لا أرى فيه رواية بالمعنى الذي نعرفه ، بل هي ضعيفة بشهادة النقاد ، كونها خالية من البناء الفني لرواية وتعمد إلى أسلوب التسطيح والمباشرة في الخطاب .. وهذا ليس فيه شيء من الرواية القائمة على الإيحاء والتكثيف والعقدة المشبعة بالتصاعد المبني على الأحداث .

فضلت الصمت .. فصمت من ذهب مع من تجزم أن الحوار معهم تضيع للوقت !

- يالله .. لا أكاد أصدق ، محمد الرطيان أمامي ؟!

أن ترى شخصا معجبا فيه ، فهذا بحد ذاته مدعاة للارتباك والقلق . صافحته ، وعرفته بنفسه فشدني بريق عينيه الذي أوحى إلي أنه يعرفني من خلال منتدى (جسد الثقافة) الذي يجمعنا .
 
كلامه العفوي والشعبي بفضل لكنته الغير متكلفه ، كل هذا جعلني أحدثه بحديث مقتضب لا أتذكر منه إلا أنني أثنيت على قلمه وطالبته بالمزيد وألا يغيب عن الإعلام كثيرا .. ثم انصرفت منتشيا بهذا اللقاء .

ارتطم بي ..

- أسف !

بصوت مبحوح ومرهق قدم اعتذاره …

من ؟! تركي الدخيل ! .. قلت في نفسي : جابك الله !

بعد السلام ، همست في أذنه ..

- ما بغينا نشوفك !

هذه الجملة أثارت في نفسهِ سؤالا : هل يعرفني هذا الشخص ؟! وذلك واضح من نظرته . باغته عن توقيع كتابه فقال أنه وقع الكتاب وأنه نفذ من مكتبة العبيكان ! . أظهرت امتعاضي من هذا الأمر وقلت ..

- لم أقرأ خبر توقيع للكتاب في جريدة الجزيرة حتى استعد لذلك !

- كل الصحف نشرت الخبر ، ما ذنبي إن كنت لا تقرأ إلا الجزيزة .. قالها وهو يضحك !

ضحكت أنا بدوري ، فوعدني أن يوم غد والذي يليه ستتوفر النسخ وسيكون موجودا لتوقيع كتابه . ثم انصرف كل منا ! .

بعد تعرفي على منصة توقيع الكتب ، قصدتها فوجدت الأستاذ الساخر نبيل المعجل مؤلف كتاب (بيل ونبيل) . اشتريت الكتاب موسوما بتوقيع مؤلفه الذي كانت يتبادل أطراف الحديث مع كل من يوقع له الكتاب .

عودتُ مرة أخرى لدار الجمل ، وهذه المرة لتمعن فيه وفيما يحتويه . اشتريت رواية (العطر) لباتريك زوسكند . وأنا أحاسب البائع لمحت ذلك الشخص الذي يطل برأسه على الدار بشكل خاطف ثم ينغمس وسط الناس مرة أخرى .. إنه الدكتور الأديب محمد الحضيف .

لحقت به حتى لا أفوت على نفسي هذه الفرصة . ربت على كتفه فلتفت إليه مبتسما بالرغم من سوء تصرفي ، ولكن أحيان كثيرة تكون الفرحة جالبة لتسرع والتهور ! .

أول سؤال سألته إياه ..

- هل يوجد لديك شيء في المعرض ؟!

- لا !

الحضيف ضحية مسكوت عنها . هذا الرجل قدم في المجال الإبداعي عدد من المجموعات القصصية بالإضافة إلى رواية مست الهم الاجتماعي من خلال التعمق في الفكر الإرهابي ألا وهي رواية (نقطة تفتيش) . هذه الرواية وبقية أعمال للحضيف ممنوعة في البلد .. والسبب مجهول ! .

الرجل يحارب ويصنف ويتعمد إبعاده عن المشهد الفكري والثقافي ، في حين تُلمع أسماء كثيرة لا تحمل من الفكر والهم الثقافي شيء .. والسبب ؟! أنها محسوبة على تيار (يقال) أنه منفتح ويؤمن بالرأي والرأي الآخر ، ولكن على أرض الواقع إقصاء لكل مخالف ، وخير شاهد ودليل محمد الحضيف ! .

أطلنا الحديث كثيرا أنا والدكتور محمد ، تجاذبنا الحديث عن الفكر والثقافة وعن المعرض وما فيه . كان كتلة من الإحساس والصدق والتواضع ، كل هذا كسر الحاجز الذي بيني وبينه . فجأة قاطعنا رجلان ، الأول ، عريض المنكبين ، لحيته كثة والشيب يغزوها من الأسفل . أما الثاني ، فكان طويلا جدا ، حاسر لرأسه ، يرتدي نظارة دائرة كبيرة ! .

سلما علينا ، ومع الأسف د. الحضيف لم يعرفني عليهما ، ولكني بادرت بتعريف نفسي على الرجل (العريض) الذي بجواري ، فقالت له : معك عبدالله الدحيلان .. هنا انقلب وجهه ، وعقد حاجبيه واختفت الابتسامة التي ظلت طوال الحديث حاضرة ..

- أممم .. أظن أحنا (تلاقطنا) من قبل ؟!

تساءلت في نفسي ، هل جننت يوما من الأيام لكي أصارع رجلا كهذا ؟َ! .

- من الواضح أن هناك لبس .. أنا أعرفك ؟!

- إيه ..

- مين معي ؟!

- سليمان الخراشي !!

آآآه ! سليمان الخراشي ، الكاتب (الإنترنتي) المعروف . يكتب في الساحات العربية ومنتدى القمة الذي أنا وهو أعضاء فيه . لكن ليس هذا هو المهم .. لكن المهم : متى (تلاقطنا) ؟! ، كهذا سألته .. بعد أن عادت الابتسامة تعلو محياه ، فقد يكون قد افتعل هذه الملامح كـمقلب لا أقل ولا أكثر ؟! يجوز ! .

- والله يا أخي لا أذكر ..

- أنا إنسان مسالم .. ثم اتبعتُ ذلك بضحكة كما هي عادتي ، مبتسمٌ دائما !

- أنت مسالم .. بس عليك طلعات ! الموضوع أظن أنه عن (كذبة) بدرية البشر

- هااا .. تذكرت

الموضوع كان ردا للخراشي على الكاتبة بدرية البشر حول مقال لها عن البترول وفتوى تحرميه ، فرد عليها بأن هذا غير صحيح ولم يثبت عن العلماء . فجئت أنا أشكره على جهده وبحثه وأحمد الله أنه لم يصدر العلماء فتوى بهذا الخصوص وإلا لأصبحت كارثة .. ولكن الكارثة حدثت عندما فَهِمَ الخراشي ردي على انه تأيد لبدرية البشر ، ومن هنا (تلاقطنا) حسب تعبيره ! .

- هذا الخفاش الأسود ؟!

الشخص الثاني الذي كان مع الخراشي هو حسن مفتي (الخفاش الأسود) أشهر كاتب على مستوى الانترنت ، وصدر له في العام الماضي مجموعة قصصية (انتحار حمار) نفذت بسرعة بعد أن خلع الخفاش صفة السواد الذي ظل يتلحف بها في الساحة السياسية بمنتدى الساحات العربية الحواري لعدة أعوام ! .

الرجل يعجبني فيه أسلوبه الأدبي والساخر عندما يتطرق للمواضيع ، يتفنن في صياغة الجمل ، ويتعمد الإسقاطات هنا وهناك . ولكنه بذيء اللسان ، يكثر من الوقوع في أعراض الناس والقول فيهم .. وأعتقد أن هذا سبب نفور الناس منه ، وخاصة مخالفيه ، كونه لا يقيم وزنا لأي اعتبار ! .

لم أتوجه إليه بكلمة . ولكن شدني فيه طوله ، فلقد كان مميزا في المعرض ، كذلك وهو يضغط على يدي بقوة عندما صافحني ! .

بقية جولتي في المعرض اتسمت بالهدوء واقتناء الكتب على روية قبل أن يغلق أبوابه في تمام الساعة العاشرة .

حرصت على زيارة مقر (نادي الرياض الأدبي) الذي شدتني عناوينه الكثيرة ، من ضمنها مجلته التي حرصت عليها (قوافل) . وأيضا كتاب (خطاب السرد : الرواية النسائية السعودية) الصادر عن نادي أدبي جدة ، ملتقى جماعة الحوار .

أيضا شاهدت مجموعة من مثقفي المنطقة الشرقية ممثلة في ناديه الأدبي ، كرئيسه القاص جبير المليحان وكذلك الشاعرين أحمد الملا وإبراهيم الفارس .

ختامها كان تلك الفرحة التي قابلني فيها أحد مدرسي في المرحلة الثانوية وقد كان مسرورا وهو يرى أحد طلابه بعد كل هذه الفترة من الانقطاع … فاستقبلني قائلا : حيّا الله الأديب ! .

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : هذا ما رأيت في معرض الكتاب | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

6 تعليق على “هذا ما رأيت في معرض الكتاب (2)”

  1. ماشالله واضح انها كانت رحله موفقه على الأقل التقيت بناس تعرفهم وتحبهم وقدرت تحصل لك على كم كتاب من اللي في بالك

    للأسف معارض الكتب والثقافه لم يصبح لها مكان لدينا او بمعنى آخر اصبحت تستخدم لأغراض تسويقيه أخرى .. مثلا احنا عندنا بالكويت وأثناء معرض الكتاب تلقى الكتب الطاغيه واللي عليها اقبال هي كتب السحر والشعوذه والطبخ ؟!؟!؟ وبعد كثرة الشكاوي من مستوى الكتب الهابط تحركت ادارة المعرض لضبط الكتب المعروضه

    اعتقد ان القارئ العربي بحاجه الى حمله توعويه عن اهمية الكتب والثقافه

    تقبل مروري

  2. لسنا أفضل حالا منكم … ! .

    الكتب التي كانت أكثر مبيعا هي كتب الطبخ والروايات الجنسية !! ..

    هناك مشكلة في عقلية القارئ العربي ألا وهي أنه لا ينظر إلى هذه المعارض على أنها فرصة لتزود من علوم الدنيا وفنونها ، ولكن ينظر لها على أنها فرصة سانحة لترفيه ..

    لذلك نرى كثيرين يأتون لضحك والتجوال .. دون أن يكلف أحدهم نفسه لتصفح كتاب ، فضلا عن قرأته ! .

    دمت بحفظ الله ..

  3. مساؤك ورد وعنبر

    من الجيد انه وجد كتاب بالمواصفات …………..

    ففي ايامنا هذه اصبح كل شي للمتاجرة بغض النظر عن الاهمية والفائدة

    دمت بالف خير

    مع تحياتي,,,

  4. شاكر ومقدر لك هذه الزيارة أختي رباب .. والقراءة غذاء الروح ! .

  5. عساك شريت من خلاص الخرج :)

    إشكالية القراء مع المعرض -في نظري- أن الشخص يأتي للمعرض وهو ما يعلم عن الكتب شيء
    فلو كان قبل المعرض توعية للناس بالدور والكتب التي ستباع لكان هناك تسوق أفضل.

    وليتني على الأقل أحظى باتصال من الحضيف ، لكن تصويرك للزيارة جعلنا نتسوق معك ونقابل القامات العلمية التي قابلتها

    مقال أكثر من رائع.

  6. لو اشتريت خلاص الخرج سوف أهديه لك لأنك تستحقه على هذا التواصل الرائع .. !

    أما معارض الكتاب فهي فرصة لنهل من كافة الفنون والعلوم المختلفة ، وكما تفضلت ، هناك مشكلة في خضم هذا الزخم للخروج بتصور عام عن الكتب .. لذلك أفضل دائما أن يأتي الشخص وفي مخيلته مجموعة من الكتب ، ثم يقوم بأكثر من جولة عامة لعله يرى ما يفيده ويسره .

    دمت بحفظ الله ورعايته ..



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر