الطــاولـــة
كتبهاعبدالله الدحيلان ، في 29 يناير 2008 الساعة: 20:51 م

لا يوجد غيرهما على تلك الطاولة ، طاولة عادية جدا تتوسطها وردة يتيمة . ينظران لبعضهما البعض ، لا يجدان ما يثير ، فيصرف كل واحد منهما وجهة للجهة الأخرى .
صمت يخيم على تلك الطاولة ، لم يتحدثا منذ وصولهما . نظر إليها بطرف عينه وقال "ماذا تأكلين ؟" فأجابته وهي تتفحص قائمة الطعام جيدا "لا أدري .. المهم أن نأكل" وضع قائمة الطعام التي كانت يقرأها على الطاولة وراح يصفق يده بالأخرى وهو ينادي "أيها النادل" حضر إليه النادل متبسما ، وراح يسأله عما يريده من الأطعمة ، فطلب منه أن ينوع لهما من جميع الأصناف ، وأن يأتي بالطلب سريعا ، فلا طاقة له بالانتظار … ! .
أشعل سيجارته ، وراح ينفث الدخان في الهواء ساخرا من كل ما حوله ، بينما هي ظلت تقلب ناظريها في هاتفها المحمول ، تقرأ الرسائل الكثيرة التي تحتفظ بها منذ فترة الخطوبة ، تقلبها الواحدة تلو الأخرى .. "كتبت أسمك ِ بدمي حتى لا أنساك ِورسمت صورتك في عقلي حتى لا تغيبي عني ونثرت عطرك في داري لتزوريني في أحلامي .. فأنتي الحياة كل الحياة" .
تنهدت ، وعدلت من جلستها ، ثم نظرت لزوجها فوجدته يشعل السيجارة الثانية ويداعب الوردة بكل رقة ولطف !! فاستمرت في القراءة .
"بالرغم من البعد وطول المسافة أشعر أنك ِ بجواري تلاعبين شعري و تضمين يدي إلى صدرك ِ وتزرعين على خدي قبلة .. فهل تشعرين بهذا الشعور ؟!" .
تبسمت ساخرة من الرسالة ! . نظرت إلى كوب الماء ، وراحت ترى انعكاس صورته فيه ، ولم تتفاجئ .. فلقد كانت غير مستقرة ! تراوغ وتخادع ، فأمسكت بالكوب قليلا ، فلم يحدث شيئا ، ولكن بعض الاهتزازات التي لم تغير حال الصورة ! .
قبضت على الكأس بكل قوتها ، وراحت تدقق في ملامحه ، وفي تقاسيم وجه ، لقد كانت مموجة غير ثابتة ، تذهب يمنا وشمالا . تحاول جاهدة لملمة الصورة ، فأبعدت يدها عن الكأس ، وانتظرت حتى هدأ الماء ، وشيئا فشيئا ثبتت ، أمالت رأسها قليلا لعلها تصطاد شيئا من ملاحمه . نظرت لفمه ، فوجدته كبيرا ، ولا تزينه تلك الابتسامة التي رأتها عند أول لقاء بينهما ، حينما كانت ترتجف وتسرق النظر إلى وجه دون أن تمعن ، وهو يدنو منها بكل دهاء وحيلة ، ويسألها عن تخصصها في الجامعة ، وهل تجيد الطبخ أم لا .
قطع حبل أفكارها اشتعال السيجارة ، فلقد كان لونها في الماء فاقعا ومثيرا ، ولكنها في الحقيقة قبيحة وقاتله ، لذلك سألته في أحد المرات ، عندما كان يهاتفها ليلا ، "هل تدخن؟!" فغضب وحلف ، وأقسم قسما مغلظا ، بأن السيجارة لا تعرف طريقة ولا يعرف طريقها ، فاستغربت من سواد شفتيه ، ولكنها لم تشأ إغضابه .. فهو قد اقسم لها قسما مغلظا ، فماذا بعد ذلك ؟! .
أعادت رأسها لوضعه الطبيعي ، ثم فرقعت أصابعها الواحد تلو الآخر ، وأمسكت بالهاتف من جديد وإذا بعينها تقع على رسالة كُتِبَ فيها "لا تتخيلي يا حبيبتي بأنه سيأتي اليوم الذي آمل فيه منكِ فنحن لا نقل شأنا من قيس وليلى وعنتر وعبلة وروميو وجوليت .. بل سيخلد كتاب العشاق اسمينا .. أحبك" .
بعيون يتطاير منها الغضب نظرت إليه ، فوجدته ، يجرب مهاراته في الإحراق ، ويعبث بالوردة من خلال نيران ولاعته ! .
شعرت برغبة جامحة بقتله "ألا يكفي أنك حرقت قلبي بتجاهلك وتهميشك لي ، ستحرق هذه الوردة الجميلة ؟! .. يا لوقاحتك ، كل شيء تبدأه بالمداعبة ثم تنهيه بالحرق ؟! تبا لك .. تبا لك !".
وضعت الهاتف جانبا . إنها تغلي من الداخل ، حرارتها تزداد ، همت لتشرب كأس الماء الذي أمامها ، لكنها توقفت ، وراحت تمعن في انعكاس صورته ، وكيف يتلذذ في حرق الوردة ، فأمسكت سكينا ، وغرستها في وجه ، طعنة ، تتلوها الطعنة ، ثم عبثت به .. بعثرته .. شتته ، فوجدت نفسها هي من تتيه و تصارع دوران الماء ، تحاول التمسك بقشة .. ولكن ما من قشةٍ هنا ، إنها وحيدة .
ضاقت أنفاسها ، تعالت زفراتها ، الماء يحاصرها من كل جهة ، لا مفر .. لا مفر ، إنها تغرق ، ثم تغرق .. ثم تغرق .. حتى ماتت ! .
عبدالله الدحيلان
(سفير الكتابة)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : من وحي الإبداع | السمات:من وحي الإبداع
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























يناير 30th, 2008 at 30 يناير 2008 7:25 م
شكرا لكل ما تتحفنا به من إدراجات
دمت بسلام
يناير 30th, 2008 at 30 يناير 2008 10:08 م
مرحبا بك استاذ محمد كمدون جديد .. ويسعدني مرورك من هنا .
دمت بود .
يناير 31st, 2008 at 31 يناير 2008 11:13 ص
جميل ما شهدته هنا عبدالله .
تحياتي
فبراير 1st, 2008 at 1 فبراير 2008 8:40 م
الجميل هو حضورك استاذ طاهر ويشرفني مرورك من هنا .. ولا تحرمني تكرار هذه الزيارة مرة أخرى .
فبراير 6th, 2008 at 6 فبراير 2008 6:52 م
لم أبدأها حتى انتهيت منها
خفيفة، جميلة ، آسرة
كلماتك منطلقة
دمت مدوناً وسفيراً للكتابة
فبراير 14th, 2008 at 14 فبراير 2008 10:35 م
كما عودتيني بزيارتك المستمرة للمدونة .. دمتِ متألقة يا حوراء ! .
فبراير 28th, 2008 at 28 فبراير 2008 5:12 م
جميله هو لوحتك وما تعرضه من صور واقعية
اشكرك على كلماتك
دمت بخير
فبراير 28th, 2008 at 28 فبراير 2008 9:55 م
وأنا بدوري أشكرك على على هذا المرور أختي منى المطوع .. وإتاحة الفرصة لي بزيارة مدونتك الرائعة .
مارس 4th, 2008 at 4 مارس 2008 9:30 م
احببتها بصدق
نوع اخر قرأته في ذالك الكاس
من الاحاسيس المشبعه بأنا
استاذي هي الاحاسيس تحكي واقع عميق
شكرا للحظات الامناع هنا ..
دمت بخير
مارس 5th, 2008 at 5 مارس 2008 9:05 م
بصمة ، أسم على مسمى ! .
شاكر لك مرورك .
مارس 6th, 2008 at 6 مارس 2008 7:28 ص
جميل ماصورته واتحفته في مخيلتنا
كونته لنا بابداع وقلم شيق ينسل كانسلال العطر
ابحرنا معها في مجريات الماء وتعذبنا معها وشربنا من ذاك الكاس
انه ابداع ابداع مميز ياسفير الكتابه
تحياتي معطره يالورد والاوركيدا
اترك لنا بصمه في مدونتي المتواضعه
مارس 6th, 2008 at 6 مارس 2008 8:31 م
جميل مرورك الشاعري هذا .. وأتمنى أن أكون وفقت في السباحة بشكل موفق في مخيلة القارئـ/ـة ، مع محاولة الربط بين الخيال الذي يجعل النص نصا مفتوحا ، وبين الواقعية التي تتلمس معناة انسانية / اجتماعية .