اللون الأسود
كتبهاعبدالله الدحيلان ، في 10 يوليو 2007 الساعة: 21:44 م

لم يعد حلما أن يرى رائد برجي (الفيصلية والمملكة) وأن يعايش زحمة السير بشارع الملك فهد يوميا ً ، أنه الآن مبصر ، يرى كما يرى بقية الناس ، لا داعي بعد اليوم لمن يدله ويرشده ، وداعا لتلك العصا التي لم تكن تفارقه أينما ذهب وحل .
شعر رائد بعد نجاح العملية أنه إنسان معافى ، يتحرك بحرية مطلقة ، يشاهد ما يريد ، ويعرض عما لا يريد ، وينتقل كما يشاء دون الحاجة لمن يعينه ، فقد سئم من كلمات الشفقة التي يسمعها من الجميع ، فالكل ينظر إليه على أنه العاجز الذي يجب أن نساعده ونمد له يد العون . “أنه كفيف” كم يتضايق رائد من هذه الكلمة .. يشعر وكأنها وصمة عار تلاحقه منذ ولادته ، فهل هو من اختار لنفسه هذا المرض؟ .
غدا سيسافر رائد إلى مكة المكرمة ، التي ظل لسنوات يعظ أصابع الندم عندما يسافر إليها مع أهله ولا يحظى بشرف النظر إلى الكعبة ، عندها ينهار من شدة البكاء ، يشعر أنة محبوس داخل هذا السواد (هل من مخرج .. أنها الكعبة) يردد هذه العبارة عندما يطالبون منه الكف عن تعذيب نفسه . يخر حينها ساجدا ً مكثراً من الدعاء ، عله سبحانه يعجل فرجة ، لينضم إلى صفوف المبصرين .
ظل الأمل يزاد يوما ً بعد يوم ، فطبيب رائد يطمئن والده بقرب وصول طبيب ألماني ، وهو ممن تحظى عملياته بالنجاح .
سر رائد بهذا الخبر ، أنة اليوم الذي طال انتظاره ، وراح يتساءل .. هل سأبصر كبقية الناس ؟ هل سأعتمد على نفسي بدلا ً من عطف الآخرين عليّ ؟ .
حان موعد العملية ، الكل في حالة ترقب وانتظار ، هل يُزال هذا الغشاء عن عيني رائد فيرى ويبصر الدنيا من حوله ، أم ستظل الغيمة السوداء مسيطرة عليه ، تحول بينه وبين شعاع الشمس الذي لا يؤثر في عينيه الميتتين ! .
أزال الدكتور الغشاء ، الكل على أعصابة ، الأب الأم الأخوة الأخوات ، الجيران الزملاء ، بينما رائد في عالم ٍ آخر ، مزيج من الخوف والأمل ، الخوف من أن يستمر حرمانه من نعمة عظيمة وهي نعمة البصر ، التي لا يعرف قيمتها إلا رائد وأمثاله ، والأمل في أن يفتح عينيه فيرى ويبصر صورة رائعة تضم العائلة والأقارب والزملاء ، مما يروي ظمأ السنين في نظرة واحدة .
- افتح عينيك .
فتح عيناه .. بدأ يغزوه ضوء أبيض ، لا يرى فيه أحد ، تبدل السواد بياضا ً ، أغمض عيناه ، عاودت الممرضة طلب الطبيب :
- افتح عينيك .
( أنني أرى .. أرى) صرخ رائد في وجه الممرضة ، وهو يقلب بصرة في أرجاء المكان وفي وجوه الحاضرين ، يريد أن يرى كل شيئا ًَ كان محروما ً منه ، غرقت عيناه بالدموع ، فبكى وأبكى الجميع من حوله.
عندما نجحت العملية قرر رائد أن يذهب للعمرة ، وأن ينظر إلى الكعبة ، التي حرم من النظر إليها طوال تلك السنين التي مضت ، غداً سينظر إلى الكعبة دون وسيط يصف له شكلها ، ولونها ، بعينة هو سيقف على كل شيء .
يحاول النوم ، لكنة لا يستطيع ، نشوة الفرح تدفعه لتفكير بما سيفعله غدا ً ويقوله ، أنها المرة الأولى التي ينظر فيها مباشرة للكعبة ، فلا الوصف يغني ، ولا الصور تكفي .
البيت في حالة هدوء تام ، الكل نام مبكراً استعدادا ً لسفر ، الغرف كلها قد ملأها السواد الذي يكره رائد ، إلا غرفة الخادمة ، فقد شع منها النور الأبيض ، نور الحياة .
تساءل رائد في نفسه لما هذه الخادمة مستيقظة حتى هذا الوقت المتأخر من الليل ، هل ينتابها شعور يماثل شعوري ؟ هل سترى الكعبة لأول مرة مثلي ؟ بطبع لا ، إذن لماذا لم تنم ؟ من الواضح أنها قد نسيت المصباح ، فهي تعمل منذ الصباح ، فما أن ترى الفراش ، وتذوق لذة النوم ، حتى تنسى الضوء وإزعاجه .. فذهب رائد لأطفى النور .
فتح رائد باب الغرفة ، فوجد الخادمة تغط في نوم ٍ عميق ، بدأ يتأملها وكأنه يرها للمرة الأولى ، صورت له أنها الأميرة الحسناء التي تنتظر قبلة الحبيب ، حتى تعود للحياة مجددا ً ، فقبلها ، وعادت للحياة ، وفي عينيها سحر ، غرس سهامه في قلب رائد ، فنقاد ينفذ ما يأمر به ، حتى بطل مفعول السحر على كلمات ٍ شبة عربية خرقت أذنه (أحسنت .. لقد كنت رجلا ً) .
فر رائد بسرعة جنونية ، كأسير حرب أطلق سراحه ، واتجه مسرعا ًً إلى غرفته .. سقطت دموعه الواحدة تلو الأخرى ، اتجه نحو المصباح وأطفأه .. الغرفة يكسوها السواد ، ثم جلس في وسطها مرددا : كم اشتقت إليك أيها اللون الأسود .. ! .
عبدالله الدحيلان
(سفير الكتابة)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : من وحي الإبداع | السمات:من وحي الإبداع
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























يوليو 13th, 2007 at 13 يوليو 2007 9:58 م
يتعثر الأعمى بقدمه والمبصر بقدميه ..
سرد ممتع .
يوليو 16th, 2007 at 16 يوليو 2007 9:04 م
شكرا على زيارتك يا خلود .
سبتمبر 16th, 2007 at 16 سبتمبر 2007 11:13 م
سأقتبس من مقالاتك مع ارجاعها للمصدر..
هل ستسمح بذلك …
ديسمبر 30th, 2007 at 30 ديسمبر 2007 8:13 م
على الرحب والسعة أخي الكريم ، وأسف في التأخر في الرد .
أكتوبر 19th, 2008 at 19 أكتوبر 2008 5:53 ص
بالفعل احيانا نحتاج الى السواد حتى نتمكن من صياغة انفسنا من جديد
تقديري لك ..
……………صباح جديد
أكتوبر 19th, 2008 at 19 أكتوبر 2008 10:47 م
كثير هي الأشياء الجميلة التي نبصرها .. ولكن
هل شكرنا الخالق على هذه النعمة؟!
هنا مربط الفرس كما يقال
تحياتي لك ..