لا يدان المرء بشيءٍ ليس به .. ولا خلق بالناس معصوم الزلل

قراءة في فتوى (تكفير الليبرالي) لشيخ الفوزان

كتبهاعبدالله الدحيلان ، في 26 يونيو 2007 الساعة: 02:25 ص

تناقلت وسائل الإعلام في الآونة الأخيرة فتوى تنسب لفضيلة الشيخ الدكتور صالح الفوزان عضو هيئة كبار العلماء ، تتناول فيها حكم الليبرالي والليبرالية ، وقد صرح فضيلته أن الليبرالية ردة عن الإسلام ولا ينبغي للمسلم اعتناق مثل هذه الأفكار .

هذه الفتوى كان السائل فيها شخصية معروفة على مستوى الإنترنت وهو الأخ سليمان الخراشي الكاتب في الساحة العربية وغيرها من المنتديات الحوارية ، وقد عرف عن الخراشي موقفه من الليبرالية ، وله كتابات كثيرة في مهاجمتها وتنفير الناس منها .

الشيخ الفوزان – حفظه الله – تعامل مع السؤال كما نقل له ، فهذه الفكرة تدعو إلى الحرية المطلقة وتتصادم مع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتلغي الجهاد وتساوي بين الكافر والمسلم .. فما حكمها ؟! إن المسلم في أي بقعة من بقاع الأرض لو سأل السؤال بهذه الصيغة فإن الجواب يجب أن يكون كفر هذا الشخص لأنة يناقض ثوابت الدين .

 

هذه الفتوى التي أشعلت الساحة في الفترة الماضية تتطلب منا وقفات لنفهم لماذا حدث ما حدث .

* من خلال صيغة السؤال الذي طرح يتبين لنا أن المتدين السعودي لا يفهم الليبرالية إلا بهذه الصورة ، فهي تدعو إلى التصادم مع الدين ، والانحلال والمجون ، وهذا ما يفهمه حتى الرجل العادي ، فأنت لو خرجت الآن في الشارع وقلت لناس أنا ليبرالي فستجد الناس يطرحون عليك الأسئلة التي تستفسر عن عقيدتك في كذا وكذا ؟ وما حكم كذا ؟ وما موقفك من هذا الأمر ؟ لأن المجتمع غير متعاد على هذه الأفكار ، فهو يدرك أنه مسلم يواكب تطورات الحياة التي لا تخالف دينه الذي نشأ عليه . فالليبرالية إذن لا تحظى بشعبية ، بل حري بك لكي توبخ سيرة فلان من الناس بأن تنعته بالليبرالية وستجد الناس ينفكون عنه ولا يجالسونه ولا يرعون لكلامه أي اهتمام ولا يصغون له أساسا !! .

* ثار الناس عندما قدم الإمام عبدالعزيز بن باز رحمه الله تعالى لدكتور عوض القرني كتابة (الحداثة في ميزان الإسلام) وقال رحمة الله عليه أن هذه الفئة مدسوسة على الإسلام والمسلمين ، وها هي القصة تتكرر من جديد مع الليبرالية ، وذلك بعد فتوى الشيخ الفوزان ، هنا يجب أن ننوه لنقطتين : -

- أن الليبراليين والحداثيين سقطوا في فخ واحد ، وهو أنهم محاربين وغير مرغوب بهم في المجتمع ، بل لا يزال الحداثي – وإن قلت الحدة – يهاجم ولا يرحب به في مختلف شرائح المجتمع ، وهذا يؤكد لنا أن المجتمع السعودي لا يقبل ولا يتناغم مع الفكر المستورد من الخارج ، وعلى النقيض نجده وثيق الصلة بالفكر المتدين ، وهذا يظهر في ممارسات الأفراد والجماعات على حدة سواء .

- أن الليبراليين لم يستفيدوا مما حدث للحداثيين من قبلهم ، فالحداثيين حتى هذه اللحظة لم يعرفوا الحداثة بتعريف يجعلنا نضع لها – أي الحداثة – إطارا معينا لا تتجاوزه و يسيرون وفقه ، لذلك ذهب الدكتور عوض القرني والشيخ ممدوح الحربي وغيرهم من الدعاة وطلبة العلم إلى فهم الحداثة من أهلها الأصليين بالإضافة إلى نماذج عربية معاصرة تحمل هذا الفكر وتؤمن به ، وكانت النتيجة أننا دخلنا في صراع فكري محتد بين الطرفين ، الديني والحداثي ، فالحداثي يقول نحن لا نأخذ من الحداثة المعتقد ولكننا نأخذ الفكرة العامة ، وهي الحرية والتطوير ، بينما المتدين يطلب من الحداثيين التبرؤ منها عقيدة ومنهجا ، ففي الإسلام الحرية المنشودة والتطور المأمول .

وهذا ما حدث بالضبط لليبراليين ، فاليبرالي يعاني من مشكلة تحرير المصطلح ، فهو يطالب كما طالب الحداثي بالحرية والتطوير ، ولكنه يسارع إلى التبرؤ من الانحراف العقدي الذي بنيت عليه الليبرالية في الغرب .
وهنا مشكلة ، هل من بيننا من يتلقف كل ما ينتجه الغرب عقائديا وفكريا حتى نتخلص الممارسات الخاطئة التي يقوم بها المتدينين ؟! فإن كان الأمر كذلك ، فلماذا لا نتجه لدين الإسلامي الحنيف الذي كفل للمرء حقوقه بالنص المقدس الذي لا يقبل الجدل والنقاش ؟! .

* هذه الفتوى وضحت وبينت أن الليبراليين يدورون في أطروحاتهم في فلك واحد لذلك بنيت هذه النظرة عنهم ، فهل يعي الليبرالي أنه مكرر الطرح لا يسطع نجمه إلا في الأزمات والمواقف ؟! مللنا من الكتاب الذي لا يرون إلا قضايا المرأة – وبعضهم يجعلها قضية من لا شيء ! – بل لا يزال بعض الكتاب يكرر مقالاته التي كتبها منذ مدة ، ويعتقد أننا لا نتابع بل ولا نفهم !! .

كذلك نجد في هذه الأطروحات جفاء كبير بينها وبين الدين والمتدين ، بل و حده رهيبة تصل إلى السخرية والتندر واستخدام مصطلح المتشددين على عموم المتدينين .

* ما لحق هذه الفتوى من ردود فعل يؤكد وجود ليبراليين سعوديين وإن حاولنا المزايدة على ذلك من قبل ، فالآن سقطت ورقة التوت عن الجميع ، بل إنك لتعجب ممن يصفون أنفسهم بالليبراليين أنهم جبناء بالرغم من إظهارهم لشجاعة في أطروحاتهم وأنهم لا يخافون من المطالبة بالحريات والتطور ، فهم لا يصرحون علانية باليبراليتهم ولكن يلمحون ، ولكن بعد هذه الحادثة لم يعد بوسعهم السكوت بل خرجوا وكتبوا المقالات التي تندد بهذه الفتوى بل طالب أحدهم بفصل سماحة الشيخ الدكتور صالح الفوزان من منصبه كعضو في هيئة كبار العلماء !! .

* في السابق ، وإلى وقت قريب ، كان البعض يغضب من هذا التصنيف ، ويرفض بأن يطلق عليه صفة ليبرالي ، وكان سبب هذا الرفض أنه سيؤدي في النهاية إلى تقسيم المجتمع وتفريق وحدته ، لكن الآن لم يعد باستطاعة أحد أن يرفض أو يقبل ، لأن الأمر أصبح مكشوف وواضح للعيان ، ومن السخف أن نغطي الشمس بغربال ! .

* قيل أن الشيخ الفوزان قد تراجع عن الفتوى وذلك في حواره مع جريدة الرياض ، ولكن الشيخ لم يتراجع ولكنه وضح موقفه من القضية برمتها ، فهو يرفض أن يطلق هذا الحكم بعمومة ويجب أن يكون منضبطا ، وهذا ليس تراجعا ولكنه تبيان وتوضيح ، ولا ينبغي أن نضحك على عقول الناس بقولنا تراجع فالرجل حي يرزق ، وكلامه لا يحتاج لترجمان .

عبدالله الدحيلان

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : اجتهاد | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر