في الذكرى الثالثة.. ما تبقى من أحداث كلية اليمامة
كتبهاعبدالله الدحيلان ، في 28 أكتوبر 2009 الساعة: 02:07 ص
قد لا أتى بجديد.. ولكني سأقول كل ما لدي، كشاهد على أحداث 27/10/2006م..!!
————————————————————-
من الصعب أن تكون في الرياض بلا سيارة!. حينها سوف تشعر بالتيه، فالدنيا هنا قائمة على التنقل من مكان إلى أخر. يشق عليك أن تجد كل ما تريده بجوار بعضه البعض. كان لي من العمر في تلك الصحراء سنة. لم يتسنى لي الوقت كي أتجول كثيرا بين تلالها وناطحات سحابها!. شيء كثير لم أدرك كنه، ولكن كنت اسمع به، وفورا أخرج مذكرتي السوداء وأدون ما علق في رأسي، من ألفاظ ومسميات وأماكن ومعالم.
كلية اليمامة، التي تحولت الآن إلى جامعة، كانت لتو قد صلبة عودها واشتد عظمها، لتبني نفسها منعزلة في نهاية طريق الملك فهد، باتجاه القصيم. في البداية لم يتبين لي موقعها، وخجلت من السؤال، ففي هذه البلد يعتبر الجهل بالأشياء مذمة ونقيصة: "أفااا طلعت ما تعرف شيء؟". لذلك كان الصمت حكمة ما دامت في وسط كثير من الجهلاء!.
وأنا أقرأ الصحف، وأتابع التغطيات، كنت أتحرق شوقا لذهاب، خاصة لندوة الدكتور عبدالله الغذامي. والعجيب، أنني توقعت لهذه الندوة أن تثير زوبعة وتعصف بالذهن إلى بعض الحماقات التي جرت في الثمانينات الميلادية تجاه حركة الحداثة، التي كان ولا زال الغذامي أحد رموزها ومنظريها. ولكن المغاير هذه المرة، هو ما تلا الأحداث من ملاحقة للغذامي ومحاولة كسر باب الغرفة التي أمنتها له اللجنة المنظمة تفاديا لتشابك. ولكن الشيء الذي لم يكن مغايرا بتاتا، وهو ما اعرفه شخصيا عن الغذامي، أنه يعشق المواجهة، لذلك أصر على فتح الباب ومحاورة المخالفين له، حتى لو تعرضت حياته للخطر!.
المحيطين به كان يؤكدون أنه أصر إصرارا عجيبا جدا على فتح الباب، حتى فشلت كل محاولاتهم لثنيه عن رأيه. ما أن خرج، وهو يبتسم، والآخرين مكفهرين الأوجه، حتى راح يمد يده لمصافحتهم، فمنهم من استجاب ومنهم من ظل ينظر إليه رافضا المصافحة والسلام، مكتفيا فقط بالشتم والدعاء عليه!. طلب منهم أن ينتخبوا له واحدا لكي يتناقش معه، فوقع الاختيار على الواعظ أحمد الفرج، فدخل معه إلى الغرفة وتناقشا طويلا، ثم خرج الفرج كما دخل، وبقي الغذامي يتحرق شوقا لمناظرة غيره، حتى قال أحد محبيه: "لو الأمر بيده لناظرهم جميعا.."!. وأنا أؤكد ذلك، فالغذامي شجاع ويعشق المواجهة!.
كنت أقرأ التغطية ولم أكن مندهشا، فالتوتر كان متوقعا، خاصة إذا ما علمنا أن هناك منتديات كانت تسكب الزيت على النار، عبر مواضيع تطعن في كلية اليمامة التي نظمت هذا الأسبوع الثقافي، وأنها جلبت زبالة الفكر المستغرب كما قالوا، من حداثيين وماركسيين وشيوعيين وقوميين، وكل من يحارب الدين في مهبط الوحي!.
تمنيت حينها أن (بومبو)، وهو الاسم الذي أطلقه على سيارتي، لم تخرب ولم تقرر في توقيت سيء مقاطعة شوارع الرياض، التي لا طاقة لتلك العجوز البائسة عليها، فهي بالكاد تجر نفسها جرا، فكيف بها وهي تناطح المركبات الطائشة!. ذكرتها –وإن كان ذلك نوع من الوسوسة كما يقال! – وأنا أوقع عقد شراء سيارة جديدة لتو وصلت من اليابان، عن تلك الأيام وكيف أنها خذلتني.. فشعرت بها تبتسم، وتتمتم: "إيه لسى فاكر؟".
فعلت كما يفعل غيري، وطلبت من أحدهم أن يدلني على هذه الكلية، فلقد طفح الكيل وعقدت العزم على تحمل كلمة سخيفة من هنا أو هناك، على أن أصل في النهاية إلى مرادي!. وكما كان متوقعا رد (أبو بندر)، الذي يحمل أسمي، متهكما: "الله يفشلك كم لك بالرياض وللحين ما تدل؟". بلعتها على مضض وتصنعت ابتسامة سخيفة، مردفا "المهم، وين هي فيه؟". وبحكم ارتباطنا ببعض فلم يعطني مجالا لرفض دعوته أن يقلني إلى هناك ويعود بي معززا مكرما من حيث أتيت. فأكبرت فيه هذه التصرف الذي هو ليس بغريب عليه.
لم أكن مهتما بالشاعرين محمد العلي وعلي الدميني، فتجربتهما لا تدغدغ فيني شيئا، وهذه وجهة نظر أدبية بحتة. لذلك حرصت على المسرحية التي تلت الأمسية، مسرحية (وسطي بلا وسطية). جئت قبل الموعد. رفض صاحبي أن يترجل من سيارته معللا ذلك: "ما أحب سوالف هالمثقفين..". اتفقنا أن نبقى على اتصال عندما ينتهي العرض. لا أعلم لماذا انتابني شعور بالوحشة من المكان الذي أدخله لأول مرة. شعرت أن الوضع بشكل عام متوتر. فالكل يتجول وفي يده هاتفه الجوال ويتحدث بانفعال، الملتحي منهم وغير الملتحي.
المتدينين كانوا متواجدين بكثرة جعلت الأمر يصبح أكثر حيرة، والسبب أن المسرح المحتوي على موسيقى غير متوافق مع تحريمه لدى تلك المجموعة. ومن هنا بدأ السؤال يتسع في أذهان الجميع، وازداد اتساعا عندما احتلوا جزء كبيرا من الصف الأول، وهؤلاء كانوا المشايخ أو لنقل كبار المتدينين، أما الصغار فلقد تجمعوا خلفهم بقليل. كانوا مميزين بعدم لبسهم للعقال.
جئت أتمطى، وعيني تلمح ذلك التحزب المريب، وقررت أن أجلس في الأعلى، حيث المشاهدة ستكون أفضل. وعلى الفور فتحت مذكرتي ورحت أدون مشاهدات سريعة حول الموقع، والجو العام. رفعت رأسي فلحظت ذلك السياج الزجاجي الأسود الذي تتواجد به النساء بمعزل عن الرجال. نور هاتفها الجوال لفت نظري، قلت: لعلها فتحت خاصية المراسلة في هاتفها، البلوتوث، لتبحث بين الحاضرين عن حمار أحلامها!. وهنا بدأت أتبسم بشدة وأنا ارسم في مخيلتي سيناريو حول ما سيحدث لهذه الفتاة. فما أن تفتحه ستهطل الأسماء عليها كالمطر، فتسعد بهذا الكم الهائل!. وما أن يتوقف البحث حتى تعود لتفحص الأسماء من جديد، فتجد: "0555.. – الكتكوت – عايش وحالي تعب – خطير وأشرب عصير – واحد جاد..". ويليهم"بوقتادة – العزة للإسلام – إن الله يراك – صلوا على رسول الله – الملتقى الجنة". فتغلق هاتفها على عجل، متناسية أنها قد خططت أن تقنص الكتكوت من بين زملاءه، وهو من بادرها برسالة "يا حلو.. ممكن؟".
أطفئت الأنوار، ضجت القاعة بالتصفير، في لوحة البروجكتر أخذت الأعداد في العد التنازلي، الموسيقى تهز المقاعد. ثم أشعلوا الأضواء سريعا!. كان على الطرف الأيمن من المسرح شاب منكوش الشعر، متدين في مظهره، ويحيط به عدد من حراس الأمن والمنظمين. الغريب أن الكل فزع وقام من مقعده مندهشا إلا أنا!. فقد كنت أقول أن هذه بداية قوية من قبل المخرج، فلقد جذب الحضور منذ الدقيقة الأولى بمشهد جر هذا الشخص الذي قد يكون وظفه في البداية ليظهر التطرف الديني!. ولكن سرعان ما تحول الأمر وضجت القاعة بالصراخ والسب.. وشيئا فشيئا بالتكبير!. هنا تحرك الحزب المتدين من مقعده وتوجه مباشرة إلى المسرح محاولين فك زميلهم من قبضة رجال الأمن، خصوصا وأنه لم يكن يجلس بجوارهم، بل في الطرف الآخر.. مما باعد الشكوك حوله، وأتاح له فرصة تحطيم شيئا من الديكور؛ كون الأمن تحرز من قبل وتكتل حول هؤلاء المتدينين الصغار!. في وسط هذه الفوضى، وقف الجمهور صامتا مذهولا لا يدرى ما لذي يحدث، وماذا سينتهي عليه الأمر. ولكن من خلال ما كان يصلنا من أصوات، تيقنا أنهم يريدون إيقاف عرض المسرحية.
وبالفعل، سرعان ما صرح أحد المسئولين عبر مكبرات الصوت بأن المسرحية تم إلغاءها!. هنا ضجت القاعة بالتكبير ورفع الأيادي للأعلى، حتى بانت المرافق السوداء. فلم يتمالك الحاضرين أنفسهم إلا وهم يقابلون نشوة الانتصار تلك بأهزوجة تحط من فعلهم وتزدري ما قاموا به، حيث هتفوا "ااووه..". شعرت بضيق بالصدر حيال تصرف الطرفين. ورحت أتحدث بصوت مرتفع: "هل إيقاف مسرحية هو انتصار يدفع لتكبير وتقطيع الحناجر من الصراخ، وهل أيضا من اللائق مقابلة (الله أكبر) بالهتاف ضدها بغض النظر عن قائلها؟!". وسرعان ما وعيت، وانتبهت، أن ما نحن فيه الآن هو عالم اللاوعي. عالم بلا قيم أو أخلاق، عالم بلا حوار وأنصاف.. بل هو عالم التعصب، ولا شيء سواه!.
أخذ ذلك الفوج المنتصر يردد هتافات العزة والشموخ؛ وكأنهم لتو قد أعلنوا الولايات المتحدة الأمريكية ولاية إسلامية!. وهم يهمون بالخروج اشتبك شاب متدين وأخر، والأسباب بالتأكيد محصلة ما يطلق عليه بالسعودية، والخليج عموما (مخازز) أي أضع عيني في عينك وأركز نظري فيها، وكأن بيني وبينك ثأر له عشرات السنين!. فما بالك بهذه النظرات وسط أجواء كهذه؟!.
إلى هنا وكانت الأمور تمر بشيء من الهدوء، خصوصا وأن الهدوء فضت بكارته وسال دمه يلطخ الحاضرين بعار التعصب ونصرت الذات لإحكام السيطرة ورفع رايات النصر ترفرف فوق رؤوس الأشهاد الذين جاءوا من الدول الغربية والعربية ليشهدوا عرس المسرح السعودي المؤجل منذ ثلاثين سنة!.
ولكن بطلة غير بهية، وبحماقة غير عادية، خرج الممثل حبيب الحبيب يلوح بيده للجمهور، وليهزأ بتلك اللحية الاصطناعية الصغيرة التي تشكل جزاء لا يتجزأ من شخصيته بالمسرحية. ولم تدوم لحظة التلويح تلك كثيرا، حتى جاءته نعال بسرعة مائة وعشرين ميلا بالساعة، لتلسعه وتعيده إلى جحره ثانية!. وهنا دبت الفوضى من جديد، واشتبكت تلك الفئة مع المنظمين وما طالت أيديهم من الممثلين!.
المشهد كان باختصار، مذبحة. نعم هي كذلك!. فسر الشبان عن أيديهم، وقفزوا على خشبة المسرح كالريشة، رغم ما يظهر عليهم من بدانة مفرطة. ولكن من الواضح أنهم نسوا كل هذا تلبية لداعي الجهاد!!. استخدموا فيها كل أنواع الإجرام والتنكيل بالعدو الذي يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد عبده ورسوله!. استعمل في هذه الغزوة المباركة كل أنواع السلاح، حيث لم يتوانى المجاهدين عن تحويل بعض المعدات وجدران الزينة إلى أداة تؤدي الغرض نصرة لله ورسوله، لذلك سالت عليها دماء وترجت من أجلها ألسن، والأخوة في جهادهم ماضون، لا يخشون استغاثة أو رجاء. فالله مولانا ولا مولى لهم. من الصعب أن أتذكر تلك المشاجرة ولا أتذكر ذلك الشاب الضخم الذي يرتدي ثوبا أزرقا، الذي أمسك بعامود أبيض وتنقل بين الميمنة والميسرة، يضرب بلا هوادة كل من أشتبه به يعمل على إقامة المنكر، حتى راودتني الظنون بأن الشخص القادم سيكون أنا، خصوصا وأن استرخى قليلا وسواده لم يفارق سوادي.. ولكن الله سلم!. كذلك لا أنسى ذلك الشاب الذي أصبح فأر تجرب تمر عليه كل يد أتت إلى هنا لتؤدي الواجب. فهو ضرب حتى تصدع جسده وغرقه بدمه، فتمدد على خشبة المسرح لا حول له ولا قوة!.
الجمهور المتفرج ظل يؤدي دوره بجدارة متفرجا!. أحدهم ممن لم ألمح في وجه غير شعر حاجبيه فقط، ظل يستنهض الجمهور مطالبا إياهم بالتكاتف مع القائمين على هذه المسرحية لدرع هؤلاء!. عندما سقطت عيني بعينه، قال: "والله أحنا أكثر منهم نقدر نوقفهم عند حدهم". فقلت "المشكلة مشكلة تأزم ثقافي وليس أن نقف مع فلان أو علان". لم يقم وزنا لي، فالتفت لغير، ثم أخر، ولكن لم يستجيب له أحد. ولو حدث ذلك لكانت المصيبة أعظم!.
رصاصة واحدة كانت كفيلة بأن توقف هذا الأمر. وبحركة آلية يمم هؤلاء الفتية وجوههم شطر الباب مودعين ميدان المعركة بالانتصار مرتين، في إيقاف المسرحية وفي تأديب الفسقة!. لذلك كانت نفسيتهم مرتفعة، وعلت على وجوههم علامة الرضا على ما قدموا. فأمطرونا بوابل من التهم والسب والشتم. وأهانوا مؤخراتنا عبر التأكيد أن أصابعهم التي تشكلت في الهواء متصلبة سوف تحرثنا وتدنس عرضنا كما فعل قوم لوط الملعونين، والمغضوب عليهم!!. حتى أن أحدهم خرج عن طوره، وكان ينظر إلي ويصرخ بأعلى صوته حتى بانت لوزتيه!. "يا ملحدين..". وأنا ومن هذا المقام أقول بأنني لن أسامحه وسأقف لاقتص منه يوم القيامة لأنه كفرني وأخرجني من الملة؛ بسبب حضور مسرحية!.
ولأن هؤلاء كان مخطط لهم، ولم تأتي غزوتهم، كم أطلقوا عليها فيما بعد في منتديات الانترنت، من فراغ بل مدبرة ومرسوم لها بدقة. ففورا توجهوا إلى الخارج متسلقين سور الجامعة، ومنها إلى سيارة من نوع (جيب). واختفوا نهائيا وبقية سيارتهم تشهد عليهم بعد هدوء العاصفة!. علما أن هناك من كتب في مواقع إلكترونية، أن صاحب هذه السيارة قد اخرج مسدسا وأطلق في الهواء طلقتين، ثم غادر بعدها.. والله أعلم عن صحة هذه الرواية!.
في الداخل، حيث أنا لازلت موجودا هناك، كان الموقف غريبا. فهناك مجموعة من شباب الجامعة (الكووول) ينتفضون، ووجوههم مصفرة، والله أعلم إن كانت سراويلهم مبتلة أم لا!. صاح أحدهم: "هيه لحقوا علي سياراتنا لا يكسرونهم الحيوانين!". لم امسك نفسي من الضحك، وأنا من عاهد نفسه ألا يكتم ضحكته أبدا!. ثم فتح الباب، وبدأ الناس في الخروج بهدوء تحسبا من بقاء بعض هؤلاء الغوغائيين في الخارج لإكمال المعركة. حاولت الخروج ولكن استوقفني شابين وهما يمسكان بشاب أخر ويجرانه من أعلى المسرح، حيث أخرجوه من باب الطوارئ. يقولون له: "طلع جوالك أمسح ألي صورته". وهو يرفض ويتحدث بلسان ثقيل. تملص منهم وهو يزبد ويرعد، شاتما إياهما. الشابين يقولون أنه ثمل، وقد استغل الحدث وصعد إلى قاعة النساء في الأعلى وصورهم لذلك كن يصرخن بأعلى صوتهن طالبين النجدة!.
استوقفني صحفي أمريكي وبيده كاميرا، فعبست بوجهي لإدراكي أنه قد صور هذه الفضيحة صوت وصورة، والإمام اليوتيوب دام ظله لا يرد أحدا!. لم أستجيب للمترجم لأتحاور معه، ولكن بيت له بعجل، أن الأمر يدل على احتقان ثقافي وتطرف التيارات الدينية والليبرالية معا.
بعد أن خلت الساحة ومنع أن يخرج أحد من حرم الجامعة مؤقتا، ظهرت بطولات وصولات وجولات الشباب الكووول لتعبير عن تضامنهم وشجبهم وإدانتهم للهجوم الغاشم على جامعتهم الأبية!. فأحدهم، وهو المناضل المتشرب وجهه بحمرة ليس لسعوديين بها نصيب على حد علمي، راح يصرخ: "اتركوني.. خلوني ألحقهم وأدبهم. ما يبون مسرح؟ يبونا نروح نجاهد بالعراق يعني؟". وهنا حاول أن يمسك به دكتور في الجامعة، وبالمناسبة هو كاتب صحفي، "لا لا، خلاص.. خلك متمدن أكثر منهم، تكفى على شأني". وأحدهم يعبث بخصلات شعره الطويلة المنسدلة على مؤخرته، "حرام والله حرام.. خرعونا وخربوا علينا مسرحيتنا".
ولأن الوضع ازداد تطرفا، قبض على كل ملتحي بقي معنا في الساحة!. خفت حينها، وأنا من لم يحلق لحيته منذ مدة، ولكن قلت إذا اقتربوا مني فسوف أخلع معطفي الأسود – بالمناسبة كانت الأجواء باردة آنذاك – وارفع ثوبي إلى خصري وهات يا رقص.." والمطاوعة وحشين، المطاوعة وحشين!!".
عندما خرجت أخبرت صاحبي أنني سأوصل المسير سيرا على الأقدام إلى المحطة، على أن يوافيني هناك، حيث لا يسمح لأحد من الاقتراب من موقع الحدث. استوقفني عسكري وأنا أسير، "أثباتك؟". الهوية، بطاقة الأحوال. "وش جايب هناك؟". قلت "جاي أشوف المسرحية..". أمسك بمفكرتي الخاصة، "وش ذا..؟" ومن دون أن أذن له خطفها من بين يدي، فشعرت بدمي يغلي ورغبة شديدة تتملكني لتلقينه درسا مستفاد لتو من (أسود اليمامة) كما أطلق عليهم من أعجبوا بفعلتهم بعد ذلك!. "لا ما راح تفتحها" وأحكمت قبضتي عليها، وبصعوبة أفلتها من يدي. توجهنا لضابط لحل الخلاف. كان شابا واعيا مهذبا. سألني "ممكن أطلع عليها ولا فيها أسرار؟". بالرغم من احتواها على ما ذكر ولكني وافقت لتهذبه واحتراما لمهنته وتحقيرا متعمدا لذلك المتطفل النحيف الذي يقف بجوارنا!.
مرت الأمور بسلام، وفي طريقي استوقفني أحدهم "سلامات وش ألي صاير" وقبل أن أنطق بحرف، "أركب خلني أوصلك.. أو على الأقل أقرب من المكان ألي تبيه". الطريق بالسيارة قصير. الله يرحم أيامك يا بومبو!. حكيت له ما حدث، زفر وأماط لثام وجه لتظهر لحيته، وقال "يا أخي ذولي همج، ومع الأسف أحزاب تشوه صورة الإسلام.. الإنكار بالمنكر ما يكون بضرب الناس.. حمد لله ألي فكني منهم!!". مع الأسف لم أسأله كيف تخلص منهم، لأني وصلت المحطة. شعرت أنه غاضب مما حدث وأنه لو لم يتدارك نفسه ويخرج من دائرتهم التي وصفها بالحزبية، لكان مشاركا معهم في ضرب وتهشيم رؤوس المسلمين!.
ما هي إلا دقائق ووصل صاحبي ليقلني. فسألني، فعدت عليه نفس الاسطوانة من جديد، وهو مندهش مما حدث!.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : خفايف | السمات:خفايف
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج


























أكتوبر 28th, 2009 at 28 أكتوبر 2009 7:04 م
الحداثة مابين الموروث وصراع الثورة عليه مؤرقة
ومفهوم الايدلوجية مطلوب للطرفين .
عشت التفاصيل وكأني حضرت المذبحة أضحكتني المشاهد كثيرا
أبدعت كالعادة
؛
أكتوبر 28th, 2009 at 28 أكتوبر 2009 11:00 م
اخي الكريم عبد الله ..
الدعوه الى الله تكون بطريقة وهدي النبي عليه السلام
حتى لاتاتي بنتيجه عكسيه خاصه في هذا الوقت الذي اصبح فيه الاسلام مستهدف من الجميع وان اتباعه لايحسنوا التصرف ..واعتقد ان من تحدثت عنهم لايشكلون النخبه الصحيحه من الدعاه وانما هم مجتهدون
المسرحيه كانوا يستطيعون ان يطلبوا عدم تشغيل الموسيقى وبهذا لاتوجد مشكله بعد ذلك خاصه انه لايوجد بها اختلاط
وصفك اعجبني جعلني اعيش الحدث .
بركه انك خرجت سالم منها ..
دمت بخير
أكتوبر 29th, 2009 at 29 أكتوبر 2009 1:18 ص
ريما
سعيد لأن التدوينة أعجبتك
والحياة لا بد فيها من صراع
لتنتج في النهاية علم يستحق الاستفادة منه
.
.
.
دمت بخير،،
أكتوبر 29th, 2009 at 29 أكتوبر 2009 1:25 ص
بوح
بالتأكيد أن هؤلاء الصبية
لا يمثلون إلا الجانب السلبي من التدين
ومع الأسف لأن صورتهم هي الظاهرة
علو صيتهم، وألتبس الأمر على الناس
وكما ذكرتي،
كان بإمكانهم عدم حضور المسرحية
أو الاعتراض بأدب وبالطرق المشروعة
ولكن كان واضحا من حضورهم أنهم جاءوا
من اجل أن يخربوا المسرحية!!
———
الله يسلمك
أكتوبر 29th, 2009 at 29 أكتوبر 2009 11:15 ص
استغفر الله !
للاسف ان امثال هؤلاء في تزايد مستمر ..
نقابلهم في الشوارع متساهلين في الصاق احكام سريعة على كل من لم يطابق مظاهرهم وان كان عند الله خير منهم اجمعين ..
اصلا الاسلام يدعو الى حسن الخلق مع اليهود فضلا عمن سواهم فضلا عن عصاة المسلمين ” ان كانوا عصاة ” فضلا عمن لم يرتكب خطأ ديني يحاسبه الله عليه ..
هؤلاء هم جيل جديد من ابناء التعصب الفقهي الذي يخرج كل من خالفنا الرأي لخارج دائرة الدين !
لي اخ شاب تظهر على هيئته ملامح الالتزام ..
يكبر في عيني كل يوم اكثر من اليوم الذي يسبقه باخلاقه و حسن تعامله مع الاخر و اتقانه للدين كما يجب ان يكون ..
حكى لي انه خلال ابتعاده عنّا للدراسة التقى بفتاة سعودية غير محجبة فشاركها حوار علمي بحت عن مشروع دراسي كان ينجزه في مكان عام .. اثبتت له خلاله ان مشروعه لا يخلو من اخطاء واضحة لم يتنبه لها هو ..
خلال نقاشه معها اقترب منهم مجموعه من اصدقاءه ليضايقوها بحجة ( انها عاصية لله و تشوه سمعة البنت السعودية ).. افتخر بشدة ان اخي اجاد الرد عليهم والجام افواههم بقوة حجته ..
و كما قال : اذا كانت هي تشوه صورة البنت السعودية فانتم تشوهون الاسلام كله بتاريخه وحاضره ومستقبله !
ملاحظة : (المتدينين كانوا متواجدين بكثرة جعلت الأمر يصبح أكثر حيرة، والسبب أن المسرح المحتوي على موسيقى غير متوافق مع تحريمه لدى تلك المجموعة. ومن هنا بدأ السؤال يتسع في أذهان الجميع، وازداد اتساعا عندما احتلوا جزء كبيرا من الصف الأول، وهؤلاء كانوا المشايخ أو لنقل كبار المتدينين، أما الصغار فلقد تجمعوا خلفهم بقليل. كانوا مميزين بعدم لبسهم للعقال)
سمهم ما شئت لكن لا تسميهم متدينين لئلا نجرح باللغة شرف المتدينين حقا ..
تحية لك
أكتوبر 29th, 2009 at 29 أكتوبر 2009 9:40 م
حنان
“هؤلاء هم جيل جديد من ابناء التعصب الفقهي الذي يخرج كل من خالفنا الرأي لخارج دائرة الدين..”
هم كذلك،
تربو على نبذ الآخر المختلف معه
مع ملاحظة أنه قد لا يكون مخالف بالمعنى الصحيح
ولكنه في نظر هذا المتعصب (خارج عن دائرته)
تزايدهم بالتأكيد أنه مخيف ومرعب
فهم حسب فهمي المتواضع بذور إرهابية
غرسها المجتمع، ثم جاءت عوامل كثيرة لتسكب الماء عليهم
لينموا ويتكاثروا مفسدين في الأرض
أحيي أخيك على موقفه هذه
فصحيح أن البنت غير محجبة،
ولكن الأسلوب والنصيحة بالتي هي أحسن
والله العظيم تأتي ثمارها.. ناهيك أننا
لسنا أوصياء الله على خلقه
فكل ما نملكه النصيحة، والله يهدي من يشاء
“سمهم ما شئت لكن لا تسميهم متدينين لئلا نجرح باللغة شرف المتدينين حقا..”
حاولت،
فلم أجد غير هذا الوصف الظاهري لهم!
.
.
.
دمتِ بخير،،
أكتوبر 31st, 2009 at 31 أكتوبر 2009 11:11 ص
أشاركك إعجاب الشديد بالغذامي..واخلاقه
واحترامه حتى لمخالفيه..
وفي فترة سابقة صور لنا..”في كتب منشورة”..أنه الشيطان بعينه
وكدنا نصدق!
بعد تلك الحادثة..
قرأت لقائين عما حدث..
لقاء مع الغذامي..والآخر مع احد المتشديدن “نسيت إسمه”
وأذكر انني ذهلت..للفرق الواضح في الأخلاق واحترام المخالف!
الأخلاق التي ركز عليها الإسلام..
أشكرك ..الكثير من الحقائق التي ذكرتها هنا لم اعلم بها..
كنت اعتقد أنهم شباب متحمس اوقف عرض المسرحية ..وخلاص!
نوفمبر 3rd, 2009 at 3 نوفمبر 2009 11:59 م
غربه
خذي من هذا الأمر قاعدة
كثير مما سمعتيه أو ستسمعينه
حول الغذامي، او غيره
إذا صدر في ظل جو مشحون
فلن يكون إلا تطرفا، وبعيد كل البعد
عن الانصاف والاعتدال
.
.
.
دمتِ بخير،،
نوفمبر 13th, 2009 at 13 نوفمبر 2009 10:18 ص
يالله ><
نوفمبر 14th, 2009 at 14 نوفمبر 2009 3:27 ص
شكرا على مرورك يا عائشة..