تـفـاح الـجـنـة
كتبهاعبدالله الدحيلان ، في 19 أكتوبر 2009 الساعة: 04:01 ص
اليوم هو يوم الجمعة، وهو الموعد المحدد من كل أسبوع لينكب البشر هنا أفواجاً مموجة. فقد هتك ستار الخصوصية منذ أن تدفق زيت أسود من تحت مؤخرات الأعراب وهم عنها غافلون. في قلب البلد، والذي تحول إلى سوق عام، حيث الناس مكومين فوق بعضهم البعض وروائحهم مختلطة وأنفاسهم متشابكة لتصبغهم بصبغة واحدة ولون واحد.
كبار السن يقصدون البلدة القديمة، ليس لتسوق أو الفرجة كما يفعل غيرهم، ولكن تؤرقهم الذكرى. فهم يأتون هنا لراحة بعدما ألم ركبتي أحدهم الصقيع وأناخ ظهر الآخر حملاً لم يذق طعمه. ولكنهم يفجعون من البلدة التي خلعت ثوب الماضي لتقف هكذا عارية، نوافذها مفتوحة وسقفها مكشوف، حيث تعالت الأسوار والمساكن تباعدت عن بعضها ليسكن هذه الفسحة الوسواس الخناس. السكان الأصليون غادروا المكان مخيرين أو مجبرين. لم يعد هنالك فضاء واسع يتنفس المرء بمشاهدته روح الحياة ويتلمس قناديل الأمل. الآن يدور هنا رحى العمران المسلح وهدم البيوت الشعبية ولو على رؤوس أصحابها. من سلم من الطوفان تجده يداري نفسه بين الأزقة الضيقة التي يشعر فيها بالأمان وإن جاوره وافد يصنع الخمر أو مراهق أرعن يفجر طاقته الجنسية بين جدران ذلك البيت المكتوم.
ورغم تمزق صورة البلدة القديمة عند كبار السن التي زعموا أن الآلات لن تشوهها، فلا زالوا متشبثين بمربع صغير تحيط به من كل الجهات مقاعد صنعوها من سعف النخيل. فـ (أبو صالح) والمجوعة التي معه، عندما صانوا هذه البقعة الصغيرة من التغيير قرروا أن يجعلوها قطعة مستنسخة من الأيام الخوالي بكل تفاصيلها. فهذا هو صوت (بن فارس) يصدح من مسجلة حمراء وضعت في أعلى مكان وهي تلوك شريطاً قديماً اختفت معالمه وقلة جودته كثيراً. يفترشون الحصير الذي يتوسطه صحن صغير نثرت فيه بضع حبات من (الباجلة) ونصف ليمونة خضراء عصرت غير مرة. سجائر (اللف) حاضرة في جيب كل واحد منهم وهي غير خاضعة لقائمة الكرم المعروفة بينهم. تنتهي جلستهم هذه عند أذان المغرب، فينصرف كل واحد منهم إلى حيث يسكن ، فالليل هنا بالنسبة لهم مزعج والفوضى عارمة .. فلا طاقة لهم بكل هذا.
وحده أبو صالح من يتعمد التأخر كل يوم جمعة حتى لو كان ذلك على حساب صحته التي لم تعد تساعده على السهر وتحمل الأنوار التي تتشكل وتتلون بسرعة فتصيبه بصداع نصفي مؤلم.
- متى يا أبي؟!
يكره هذا السؤال الذي يكرره ابنه الصغير كلما رآه عائدا إلى البيت.
- يوم الجمعة إن شاء الله
- كل مرة تعدني بذلك
- أنا أجلب التفاح وأنت نائم ، فيأكله إخوتك
ثم يشير إلى أمه بعينه أن خذيه فتقوم أم صالح باحتضان الصبي بلطف وملاعبته حتى يسلى وينسى أمر التفاح الذي لا ينفك عن الحديث عنه منذ أن تذوقه بالصدفة عند أحد الجيران، ومن حينها والتفاح شغله الشاغل فهو يتحدث عن طعمه ولونه وشكله باستمرار.
أبو صالح ليس رجلاً بخيلاً؛ ولكنه لا يريد لصغيره أن يألف طعم التفاح ويتعلق به فهو فقير تكالبت عليه الدنيا ولفظته خارج محيطها حيث لم يبق له إلا منزل يمتلكه وفيه خمسة أنفس جلهم من النساء، وسادسهم، وهو الكبير، خرج يبكي منذ سنين مضت ولا يعرف مصيره حتى الآن.
دخله الوحيد من بيعه لـ (الباليلة) بعدما أغلقت كل الأبواب في وجهه؛ كونه كبير في السن ولم يعد هناك أحد يعمل في مهنة (الغوص). عندما يتوفر في يده المال يحرص على سداد بعض ديونه وشراء لقيمات تسد جوع أسرته حتى لا تموت. أما التفاح فهو ترف لا ينبغي لمثله شراءه خوفا من إدمانه .. فطعمه لذيذ جداً كما يقول صغيره!. يحرص أبو صالح على إطعام أهل بيته الرز الأبيض والعدس المسلوق لذلك تلك التفاحة التي تذوقها ابنه هي لعنة حلت عليه وقصمت ظهره أكثر مما هو مقصوم!.
عاد أبو صالح للمنزل متعباً فهو يشعر بضيق بالتنفس بعد جولة طويلة عريضة قضاها بين ناطحات السحاب الشاهقة ومنبهات السيارات الفارهة التي لا تحترم العاجز والضعيف، وقد تدهس العابر وتفرم عظامه ثم تدفع الدية بكل يسر وسهولة!.
وجد طفله الصغير نائماً عند الباب الذي ما أن فتح حتى استيقظ وهو يردد : التفاح، التفاح!.
صدم الأب وتجمد في مكانه..
- لماذا لم تنم؟!
- انتظر التفاح ، هل جلبته معك؟!
طأطأ الأب رأسه، وتنهد حتى شعر أن روحه ستفارق جسده. أخذ نفساً عميقاً وحاول إسكان نفسه بقدر ما يستطيع فأغلق الباب برفق وقال..
- لا
- طيب!
هكذا، بكل بساطة فاجأت الأب الذي لم يتوقع ردة الفعل هذه، فهو توقع منه أن يبكي أو يصرخ أو حتى يلومه ويصفه بالكاذب.. ولكن شيئا من هذا لم يحدث.
- الجمعة القادمة يا بني
- لا، أنا لا أريد تفاحا بعد الآن
- ولماذا؟! إن طعمه لذيذ.. هل نسيت؟!
- لا ، لم أنسى. ولكن أمي قالت لي اليوم أنني عندما أدخل الجنة سوف أكل التفاح حتى أمل!
امتلأت عينيّ الأب بالدموع وبات يلوك في فمه طعم الذل والعجز. دلف الصغير إلى الغرفة، وقبل أن يخطو خطواته الأخيرة لينام مع بقية أخوته ألتفت متبسما..
- أبي، أريد أن أموت حتى أكل ولو تفاحة واحدة فطعمها لذيذ جداً
في نهاية البيت ضوء خافت، حيث نشيج الأم يعلو. فتح الأب الباب وخرج يبكي!.
عبدالله الدحيلان
(سفير الكتابة)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : من وحي الإبداع | السمات:من وحي الإبداع
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج


























أكتوبر 19th, 2009 at 19 أكتوبر 2009 2:24 م
ربما بالجنة موعد للكثيرين حيث التاعوا بالحرمان وتذوَّقوا طعم الفاقّة
….
عبدالله الدحيلان
سعيدة بتمكني من زيارة مدونتك
لك خالص التقدير والاحترام
أكتوبر 19th, 2009 at 19 أكتوبر 2009 3:10 م
مؤلم هذا المشهد لدراما مفزعة
الحرمان بطلها ولن يموت أبدا
تبت كل تفاصيله أرهقتنا ياعبدالله
؛
أكتوبر 20th, 2009 at 20 أكتوبر 2009 12:18 ص
جراح
عودا حميدا
والموعد الجنة بإذن الله
أكتوبر 20th, 2009 at 20 أكتوبر 2009 12:21 ص
ريما
الحرمان يفعل العجائب
فمتى نعي خطورته (فعلا)؟!
.
.
.
دمت بخير،،
أكتوبر 20th, 2009 at 20 أكتوبر 2009 12:12 م
..
ياتُرى كم ينبغي لنا أن ندفع من دموع ونشيخ خلف الأبواب المغلقة..
ضريبة للحضارة التي جعلت من المستحيل العيش على البعض..
وجعلت البعض يتعالج في اوروبا..ليصغّر معدته..كي يجبرها على أن لاتستقبل المزيد من الطعام..
والبعض الآخر..يتمنى أن يظفر بحبة تفاحة! ويقنع نفسه أن الجنة هي الموعد..
:
جميلة جدا..وإن كانت مشجية
مشجية بحق!
أكتوبر 20th, 2009 at 20 أكتوبر 2009 9:49 م
اذا عجزنا عن تحقيق احلامنا..نقنع انفسنا بالعوض في الجنه ..،،
…..
ليس هنالك امر من قهر الفقر
……
اسلوب جميل..بل اجمل من الجميل
أكتوبر 21st, 2009 at 21 أكتوبر 2009 5:01 م
اخي الكريم عبدالله ..
ماشاء الله عليك ..لغه ادبيه رائعه جداً .بل اكثر من رائعه ..وسرد قصصي جميل جعلني اعيش احداثه واتفاعل اخر القصه مع الاب الذي لم يستطع ان يجد لابنه ثمن التفاح الذي يعتبر الان في البيوت من ابسط الاشياء الممكن توفرها …
يوجد في الحياه مثل بطل قصتك ويختبوا تحت عباةالحياء من مد اليد للناس .
وصفك جميل يجعل الانسان يتخيل الحدث ويعيشه كما تريد وكما رسمت
اكتب كثيراً بهذه الطريقه فلك قلم مبدع فيها
دمت بخير …
أكتوبر 23rd, 2009 at 23 أكتوبر 2009 10:02 م
غربه
نحتاج لأن نذوق الألم
ونشعر بالحزن
لعل ذلك يجدي نفعا!
.
.
.
دمت بخير،،
أكتوبر 23rd, 2009 at 23 أكتوبر 2009 10:04 م
صمتي كلام
نقنع انفسنا بالأمل
حتى لا نموت مرتين..!
.
.
.
شكرا لك،،
أكتوبر 23rd, 2009 at 23 أكتوبر 2009 10:07 م
بوح
اشكرك لك تفاعلك
وأتمنى أن أكون وفقت
والقادم أجمل إن شاء الله..
أكتوبر 24th, 2009 at 24 أكتوبر 2009 11:57 ص
اخي العزيز عبدالله
بعد قراءتي تذكرت هذا الحديث
عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم:
” قُمْتُ عَلَىَ بَابِ الْجَنّةِ ، فَإِذَا عَامّةُ مَنْ دَخَلَهَا الْمَسَاكِينُ .
وَإِذَا أَصْحَابُ الْجَدّ مَحْبُوسُونَ ، إِلاّ أَصْحَابَ النّارِ، فَقَدْ أُمِرَ بِهِمْ إِلَىَ النّارِ.
وَقُمْتُ عَلَىَ بَابِ النّار ِ، فَإِذَا عَامّةُ مَنْ دَخَلَهَا النّسَاءُ “.
صحيح مسلم .
——————–
شرح النووي :
قوله صلى الله عليه وسلم: “وإذا أصحاب الجد محبوسون”
” الجد ” هو بفتح الجيم قيل المراد به أصحاب البخت والحظ في الدنيا والغنى والوجاهة بها.
ومعناه محبوسون للحساب ويسبقهم الفقراء بخمسمائة عام كما جاء في الحديث.
قوله صلى الله عليه وسلم: “إلا أصحاب النار فقد أمر بهم إلى النار” معناه من استحق من أهل الغنى النار بكفره أو معاصيه،
وفي هذا الحديث تفضيل الفقر على الغنى وفيه فضيلة الفقراء والضعفاء.
وقال ايضاء صلى الله عليه وسلم
اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء
ويقول على كرم الله وجه
اذا كان الفقر رجلا لقتلته
شكرا لك
وتحية لقلمك
تحياتي لك
كهرمان
أكتوبر 24th, 2009 at 24 أكتوبر 2009 12:40 م
يآعمري عليه
كسر خاطري حيل ..
الله يرزقنـآ الجنه يآرب ..
تسلم الايآدي
أكتوبر 25th, 2009 at 25 أكتوبر 2009 12:37 ص
كهرمان
جزيت خيرا على هذه الإضافة القيمة،،
أكتوبر 25th, 2009 at 25 أكتوبر 2009 12:39 ص
الوحيدهـ
ويسلم مرورك،،
أكتوبر 29th, 2009 at 29 أكتوبر 2009 7:30 ص
سرد قصصي بسيط بلغة الفقير والغني يتسلل إلى قلوبنا بسلاسة تامة لكنه يمر على الغني مرور الكرام
وحدك أنت يا أ.عبد الله لم تمرر المشهد إلى عابر سبيل بل جعلته سبيل لكل من مر هنا لعل الله أن يحدث بعد ذلك أمرا..
كم من طالب للموت يريد الجنة ليأكل من التفاح ؟
لهم (إصبروا فإن موعدكم الجنة بإذن الله )
شكراً لقلمك بحجم هذا الالم ..
أكتوبر 29th, 2009 at 29 أكتوبر 2009 9:56 م
حلم
سعيد جدا بوجودك هنا
فقد طال غيابك كثيرا
أتمنى أن يكون المانع خيرا
وممتن لكلامك الجميل
لا حرمني الله وأياك تفاح الجنة
.
.
.
دمت بخير،،
نوفمبر 22nd, 2009 at 22 نوفمبر 2009 7:45 م
“ورغم تمزق صورة البلدة القديمة عند كبار السن التي زعموا أن الآلات لن تشوهها”
تجتاحني رغبة عارمة..في كثير من الأحيان..لترك المدينة ..لكن إلى أين ..!
ربما ينتهي بي الأمر إلى أخرى كأنها هي لولا اختلاف الأسماء..
::
“في نهاية البيت ضوء خافت، حيث نشيج الأم يعلو. فتح الأب الباب وخرج يبكي!”
وطفل في تلك الحجرة..علق خيوط أمله على موت جميل.. يحمل له تفاحة لذيذة..
::
قرأت بين أحرفك هنا..ذلاً وانكساراً كستهما البشاعة..
حال أناس عندما نقترب منهم ..نغض البصر..ونرحل خجلين ..
وأعينهم متعلقة في السماء تنتظر حلول ما نمضي أيامنا هاربين منه..
::
كأنهم هم ينطقون..هنا فيما كتبت..
شكرا لك
ديسمبر 3rd, 2009 at 3 ديسمبر 2009 3:54 ص
شذا
جميل حضورك
فلقد اضفتي على النص ما يستحق القراءة
شكرا لك،،