لا يدان المرء بشيءٍ ليس به .. ولا خلق بالناس معصوم الزلل

بـذور الإرهاب [2]

كتبهاعبدالله الدحيلان ، في 10 سبتمبر 2009 الساعة: 22:54 م

إن الخوف من الحاضر أصبح سمة العصر، بسبب كثرة الحروب والكوارث والأزمات، وسقوط الوعود الكبرى منذ قيام الثورة الفرنسية مرورا بالثورات العربية!. مما دفع بعض الناس إلى هجران الحياة المدنية، والركون إلى الماضوية، تجنبا لأي خطر قادم يهدد البشرية في العالم كله. وهذا أمر طبيعي إذا ما أخذنا بالاعتبار أن الماضي في الظاهر مجرب، ومكشوفة جميع أوراقه، مما يسهل التعامل معه، وفهمه، ثم التعايش به. والعودة الماضوية تسبب لأهلها تصادما مباشرا بينهم وبينها؛ ومرد ذلك إلى أن الحياة المدنية لها قيمها ومعايرها وتركيبتها التي هي نقيض ما ذهب الناس إليه لاستجلابه، والعيش وفق قيم ومعايير وتركيبه مختلفة جدا، سواء في الحياة الصحراوية أو الريفية، على حد سواء.


وهذا التصادم بدوره يتطلب إما تجنب فكرة الهروب الماضوي بكافة منظوماته والاكتفاء فقط بجعله تراثا يستأنس به، ومحطة هروب مؤقتة من صراعات الحياة ومشاكلها المعقدة. أو أن نعيش ازدواجية بين الحياة المدنية المتطورة بكافة أشكالها وأنسجتها التي تخلق نفسها بأطر خاصة بها، وبين الحياة البدائية القائمة على التقوقع والتحصين والتكتلات الثقافية، الذي بنهاية سوف يربك الشخص في تعامله مع كل شيء غريب، مادي أو فكري أو بشري، وسيسعى إلى نبذ كل من يختلف معه، حتى لو وصل ذلك إلى التصفية الجسدية!.

وعلى هذا نلاحظ كيف أن هناك من يسعى في المجتمع إلى هجران منظومات الحياة المدنية القائمة أساسا في جميع دول العالم على التعايش بين كافة المختلفين عنا، دينيا وفكريا واجتماعيا واقتصاديا، وأيضا الأخذ بمبدأ النظام، والاستناد على القانونية في التعامل، وأن الحياة المدنية جملة من الأنظمة التي تضبط الأمن وترد الحقوق وتساوي بين الجميع وتدعم حقوق الإنسان في المحافظة على كرامته وقيمته البشرية، وحقه في التعليم والصحة والعمل.


أما من يسعى إلى هجران منظومات الحياة المدنية فإنه يمارس في الوقت نفسه منظومات تفتك بالمجتمع، حيث العمل على تجنب التعايش مع من نختلف معهم، ونحاول قدر الإمكان التقوقع، والمحافظة على الوحدة القبلية أو الأسرية في المحيط الذي نسكن به، أو نعمل، أو نكون منه الصداقات. وهذا يشعر من يمارسون هذا الأمر بأنهم في (أمان) ما داموا بجوار أبناء عمومتهم، فعندما يسقطون سيجدون من يساعدهم، وعندما يخطئون سيدارون خطئهم لا محالة!. ولأن الأمر تحول من مجتمع مدني إلى مجتمع مدني مادي يعيش بمنظومات قبلية – صحراوية؛ أي يمارس المدنية ويتحاكم إلى القبيلة، فإنه بلا شك لن ينظر إلى القانون/النظام بوصفه مظلة تفرض عليه شروطها التي هي في الأساس لا تراعي القالب الفكري الذي تربى عليه وعايشه، من أن الاعتداد بالقبيلة بوصفها الأمان سوف يحميه.


وهذا يحمل في طياته بذور تطرف وإرهاب، حيث سبق الحديث في الجزء الأول عن التماس بين الثقافة الصحراوية وبين الفكر المسلح، وبينت أن الثقافة الصحراوية ليست كلها سلبية، بل فيها من الإيجابية الشيء الكثير، ولكن المشكلة تكمن في النزعة المتوحشة وتأسيس المجتمع على نبذ كل من نختلف معهم، وهذا ما يقوم عليه أيضا الفكر المسلح الذي هو متوحش في أرائه ويرفض الحوار وتقبل الرأي المختلف معه، ويقوم بعد ذلك بالتخلص منه.


ومن يحاول أن يقرأ المجتمع السعودي يستوقفه التكتلات الثقافية، وكذلك نقض الأنظمة والقوانين وعدم احترامها. وهذه التكتلات نلحظها في مظاهر شتى، منها مزاين الإبل حيث تجتمع كل قبيلة وتعيد سيناريو ماضوي لم تأخذ منه الجانب الإيجابي فقط كصلة الرحم ومساعدة الفقراء والمحتاجين.. وغيرها، بل الإيجابي والسلبي في الآن نفسه، حتى طغت السلبية على الإيجابية!. ففي هذه الظاهرة نأخذ ما يعنينا هنا، متجاوزين عن سلبيات كثيرة كالإسراف والبذخ، وهو علو صوت التعصب للقبيلة وازدراء الآخرين وإحياء النعرات الجاهلية المنهي عنها دينيا ومنطقيا. والحال أيضا ينطبق على مسابقات الشعر، حيث تتعصب كل قبيلة لشاعرها، وعليه تترتب مفاسد كثيرة وأخطرها وأكثرها قربا للفكر المسلح المتطرف هي التعصب لشاعر القبيلة ليس لأنه شاعرا ناجحا ولكن لأنه شاعر القبيلة!.


وهذه البذور الإرهابية، القائمة على التعصب ونبذ الآخرين، أفرزت مجتمعا متطرفا لا يقر بوجود قانون إلا ما ينفعه هو وقبيلته أو طائفته، أما احترم القانون كمبدأ والتحاكم إليه والانضباط به حتى في أصغر المسائل، غير موجود إلا عند فئة قليلة من المجتمع. مما جعل فكرة القانونية والدستورية غير رائجة في البلاد كصوت شعبي يطالب بحقوقه بالطرق السلمية أولا والبرلمانية بعد ذلك، وهذا أوجد ضبابية في كثير من تفاصيل الأنظمة، وهضم حقوق عامة الناس.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : اجتهاد | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “بـذور الإرهاب [2]”

  1. لا يمكن إنتاج واقع متقدم دون فكر متقدم..ولن يجرى

    حوارا للحضارات بدون إدراك لضرورته التي باتت إلزاماً

    أصبح الإنسان منا خاويا من الخير والشر جاهز تماما لأن

    يشحن ويتعنصر :)

    المجتمع المتمدن ياعبدالله بدأ ينظر للحياة ولعلاقته بها

    برقي أكثر من اي وقت مضى واصبح يفتش عن مرجعية

    الثقافة في الغرب والشرق ولكن يجب ان ندرك أن النهوض

    الحضاري في الغرب اتى من واقع حوار لابد من صنعه حتى

    يصبح المستحيل حقيقة .

    لابد من تحررنا من تلك القيود القبليه المتعصبة التي

    أحيت زمناً أختفى مابين عراقة الحضارات .

    بدأ ظهور المزايين واحياء النعرات وغيرها وكأنهم يحتجون

    على نمط الحياة القادمة ويعودون بنا للزمن الماضوي

    بخيره وشره ولكن اتوقع لتلك الشللية الإنكماش السريع

    في ضل الثورات القادمة .

    ولكني اتساءل ..

    أين هي العقول التي نكل اليها امرنا ونطالب عبرها

    بحوار الحضارات واستعادة قيمنا ؟؟

    عذرا للإطالة

    لك كل الشكر أيها السفير.

    ؛

  2. ريما

    العقول موجودة
    ولكن بحكم أن الحرية الرأي جريمة
    فهي عندما تتحدث تواجه مصيرين اثنين

    الأول، تكميم الأفواه وحظر الصوت
    وتلفيق التهم، وبأنه مناوئ للبلد
    ويريد لها الخراب والدمار..!

    الثاني، هو التطنيش ما دام هذا الصوت
    مهذب ويقدم فروض تكريس الماضي
    ولا يتحرك إلا بعدما يستأذن!!
    .
    .
    .

    دمتِ بخير،،



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر