بـذور الإرهاب [1]
كتبهاعبدالله الدحيلان ، في 29 أغسطس 2009 الساعة: 23:37 م
مرت محاولة اغتيال مساعد وزير الداخلية لشؤون الأمنية الأمير محمد بن نايف، نجل وزير الداخلية.. بسلام. ولأن الكثير تحدثوا حول التفسيرات التي تشير لها هذه العملية، فليس من الجدير أن استغرق وقتي في إثبات فشل التنظيمات المسلحة في المملكة. ولكن ما غفل عنه الناس، منذ أن بدأت شرارة العمل المسلح تدب في أرجاء الوطن، ألا وهي البذور الإرهابية التي يكونها المجتمع ويكرسها عبر مؤسساته الرسمية والاجتماعية من جهة، وكذلك عدم التنبيه على خطورة هذا الفكر الخطير، والانشغال بأمور أخرى، ثانوية، وصب كل الجهد عليها، حتى باتت مصدرا من مصادر التبرير للأعمال المسلحة في بعض الأطروحات!.
فبرغم من تكرار الحوادث واستهداف الأبرياء، إلا آن السؤال الكبير الذي ما أن يطرح حتى يتنحى الجميع عن الإجابة عليه، بل لا تعجب إن رأيت من يكتفي فقط بدحض الحجج، بزعمه، دون لوم الذات جراء ما يحدث. والسؤال هو: ما لذي أوصلنا إلى هذه المرحلة الخطير التي رخصت فيها النفس البشرية ولم يعد لها قيمة؟!. فيأتيك الجواب سريعا أن ذلك الفكر وافد من الخارج، حتى صرح بذلك المسؤولين. وهذا صحيح بلا شك، ولن أطيل في استطراد تاريخي حول قدوم هذا الفكر، ولكني سأقول أن هذا الفكر لو لم يجد له أرضا خصبه ترعاه لما نشأ وترعرع بيننا وحمل لواءه قوما من بني جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا!. وهذه هي الحقيقة المرة التي لو لم نقف معها ونقر أن الفكر الوافد وجد من يحتويه هنا، فإننا سنظل ندور في حلقة فارغة، ولن نجني إلا مزيدا من الأعمال الإرهابية، بذورها زرعت بأيدينا والذي حصده فكر وافد طاب له حسن الاستقبال والضيافة!.
والبذور الإرهابية التي نتكلم عنها هنا، وهي جاءت متماسة مع الفكر الضال، هي بذور تقوم على تربية تؤمن وتطبق على أرض الواقع قضية امتلاك الحق ونبذ ورفض كل مخالف، والاعتياد على التوحش في الآراء الذي بطبع ينعكس مباشرة على السلوك. وهذه البذور هي نتاج ثنائية (معي/ضدي)، والتي هي تجسيد واقعي للفكر الصحراوي، الذي هو جفاف وتوحش وتوجس من الآخرين، وتصفية لكل مخالف، إما جسدية أو اجتماعية، وحب العزلة والخوف من كل قادم مجهول، والاعتماد على المفاخرة التي تمتلك صفات الشجاعة والقوة مع التقليل من شأن الآخرين والطعن في أنسابهم وهوياتهم. كل ما تقدم لا يعني أن الثقافة الصحراوية سيئة بمجملها، بل فيها صفات حسنة بكل تأكيد، ولكن الذي يحدث الآن هو نقل الفكر الصحراوي، بإيجابياته وسلبياته، وإسقاطها على مجتمع مدني، صفاته وتكوينه ومعاييره مختلفة.
قد يعجب البعض عندما نقرن الإرهاب بالفكر والثقافة الصحراوي، ولكن لا عجب إذا ما أمنا أن لكل بيئة جذورها التي تشكل ملامحها وتضاريسها الفكرية والثقافية، التي تنعكس على الممارسات الفردية والاجتماعية. فقديما، عندما رفض تعليم البنات والبرقية، لم يكن الرفض مبررا شرعيا إلى حد الإقناع، ولكن هي الثقافة الصحراوية التي تضع هالة كبيرة تجاه المستحدث من الأمور فتفضل نفيها والاستغناء عنها، والبقاء على ما كان عليه!. فرفض كل مستحدث لا يأتي هكذا عبطا، أو مرده دائما إلى وجود منافي شرعية، بل إلى خلفية مضمرة (نسق مضمر) في العقل الباطن تهول من كل قادم، حتى لو لم تتعرف عليه، أو تفهمه بالشكل الصحيح، أو تجربه ثم ترى نفعه من عدمه. وهنا تبدأ في البحث عن أي مبرر لرفض هذا القادم، سواء كان فكرا أو اكتشافا أو تغييرا اجتماعيا أو سياسيا أو اقتصاديا، فتركن في بداية الأمر إلى الدين، لتقولبه على قالب الفكر الصحراوي الذي منهجه وسياقه العام الرفض من أجل الرفض ويعشق التقوقع على الذات، فإن لم يسانده الدين، بحث عن مبرر أخر، اسمه العادات والتقاليد، التي هي الأخرى تقولب بقالب النفي وتحصين القلعة التي ننتمي إليها، بحسن هذه العادات وسيئها. المهم يجد له مبررا لرأيه، حتى لو اضطر إلى إشاعة الفوضى أو الكذب أو الإشاعات، لوضع جدار متين يحول بينه وبين من يرى أن من الأنسب التخلص منه؛ لأنه ليس منتميا لفكرنا أو ليس من جماعتنا!.
دعونا ندخل في صميم التطبيق الواقعي. فالدين الإسلامي لا يوجد فيه نص من الكتاب أو السنة، يقول بعدم مشروعية زواج القبلي من غير القبلية. فها هو عبدالرحمن بن عوف يزوج بلال بن رباح من أخته، دون أن ينظر إلى لونه أو قبيلته؛ هذان الصحابيان رضي الله عنهما، لم يجدا في الدين ما يمنع من جهة، ولا العلم أو المنطق أيضا. على أرض واقعنا الآن، نجد العكس، تواطؤ الناس على ذلك، دون مبرر بنص مقدس، بل اجتهادات يناقض بعضها نصوص الدين، كقوله سبحانه {أنا خلقناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إنا أكرمكم عند الله اتقاكم}. وكذلك العلم والمنطق الذي لا يؤمن بفروق بين بني البشر بسبب قبائلهم. مثال أخر، وهو عن أصحاب البشرة السوداء، وكيف يعاملهم عامة الناس، وهم مصدر إطلاق الأحكام على المجتمعات؛ لأنهم يعبرون عنها من دون تكلف، فالناس ينظرون لهم باحتقار ودونية، وأنهم عبيد لا يجب أن يرأسوا أسيادهم، أو يتزوجوا منهم، بل مكانهم الأعمال التي يصنفها المجتمع بالأعمال الدونية. وما سبق لا يستند على نص من القرآن أو السنة، ويخالف العلم والمنطق. إذن، نجد أن المجتمع تربى من خلال قوانين الصحراء على نبذ كل من نختلف معه، ويجب أن نساهم في تكريس ذلك جيلا بعد جيل. ونحاول أن نبحث عن مسوغ نلوذ به ممن نزعم أنهم دخلاء، حسب عرف الصحراء، والجاهلية الأولى. وحبذا لو وجدنا ما يعضد ذلك في الدين أو العلم، وذلك يحصل في أمثلة أخرى خلاف ما سبق.
بعد هذا كله، ما دخل الإرهاب فيما تم الحديث عنه؟!. تعالوا ننظر في الفكر الإرهابي وكيف ينظر لمن يختلف معه. فهو أيضا يمارس إقصائية لا تقبل إلا به حقا مطلقا، وأيضا عندما تختلف معها فيحاول تصفيتك جسديا أو دينيا (وفي الفكر الصحراوي اجتماعيا) لتطمس صوتك حتى لا تصبح دخيلا على أتباعها فتأثر عليهم. إذن، التوجه واحد، وهو نبذ الآخرين لأننا باختصار نختلف معهم، سواء كان الاختلاف دينيا أو فكريا أو اجتماعيا وأيضا اقتصاديا. وعلى هذا يجب أن نلاحظ هذه النقطة المهم، وهي أن الإرهابيين لو لم يجدوا أرضا خصبة لهم لما بقوا هنا، ليس لتفجير فقط، بل لتنظير والتخطيط وإنشاء الخلايا النائمة لمدة طويلة لتظهر للعلن من جديد. وكذلك التغلغل في مؤسسات حكومية طابعها العام ديني، لتوظيف ذلك لصالحها عبر جمع المال، والأفراد ذو الحس الديني العالي، وخاصة التائبين الجدد، المندفعين لتغيير حالهم إلى ما قد يكون أفضل، وبكل تأكيد لا يوجد أفضل من الجهاد في الدين الإسلامي.
لذلك أمل من الحكومة السعودية أن تعي أولا هذا الأمر، وهذه نقطة شديدة الأهمية، فلن يوجد حل دون الوعي بالمشكلة قبل كل شيء. ثانيا، لنقر جمعنا أن التغيير والتطوير لن يأتي كهذا مرة واحدة، بل على مراحل مدروسة تعي تركيبة المجتمع وتحاول أن تغييره بقرارات جادة وحازمة، وإن لم تطبق مائة بالمائة بسبب عوامل كثيرة، فعلى الأقل تطبق غالبية المواطنين، الذين بدورهم سيؤثرون على غيرهم مع مرور الوقت، وتوارث الأجيال، مع استمرار تطبيق الخطة الموضوعة. وأيضا النظر في كل من شأنه أن يبني فكر المجتمع، وذلك عبر تطويره وتغييره إن لزم الأمر، خاصة في منابر المساجد والإعلام والمناهج الدراسية، حيث تساهم هذه الثلاثة في الوقت الحالي بتشكيل فكر المجتمع، فلا يجب أن تظل على حالها لتسهم أكثر في تثبيت هذه البذور الإرهابية في المجتمع، أو تتغافل عنها، بل يجب إعادة النظر فيها، وتكريس قيم التسامح والحوار، دون المساس طبعا بثوابت الوطن، الدينية والاعتبارية، كالعقيدة والأمن والقبيلة والسلوك العام.
سيتبع هذا المقال، أجزاء أخرى إن شاء الله
عبدالله الدحيلان
الأحد
9/9/1430هـ - 30/8/2009
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : اجتهاد | السمات:اجتهاد
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج


























أغسطس 30th, 2009 at 30 أغسطس 2009 2:23 م
الإرهاب عباره عن ” حرب فكرية ” أكثر منه قتل ودماء لذلك فإن التصدي له لابد وأن يكون بنفس المنهج الذي يتبعه ” تصدي فكري ” أو تتبع كل البذور الفكرية التي تدعم و تصقل هذه العمليات الداميه التي تبدأ بشحنة أفكار دمويه وتنتهي بأشلاء ودمار !
ربط طبيعة سكان البيئة الصحرواية واحتوائها الفكر الإرهابي إلى حد ما صحيحة عندما وضحت تحيزها لأرئها واقصاء كل مخالف في الفكر معها .. لكننا لا نتجاهل حقيقة وجود الإرهاب في شتى مناطق العالم الذي تتشكل فيه ايدلوجيات اجتماعية وفكريه وبيئات مختلفة مما يؤكد أن بذور الإرهاب هي تنظيم ونسق ” الفكر الضال نفسه ” بغض النظر عما كان اصحاب هذا الفكر ينتمون لبيئة صحراوية أو ساحليه حتى !!
لذا كان لزاما على الحكومة إعادة تنظيم نسق تفكير بذور الإرهاب أيا كيف ما كانوا..
مقاله رائعة عبدالله أبدعت
أغسطس 30th, 2009 at 30 أغسطس 2009 11:15 م
اضم صوتي لصوتك يجب ان تكون هناك منضومة فكرية سليمة
تقينا وابنائنا من أمراض التطرف الفكري ..لاأعلم لماذا اتخذت تلك التيارات العنف وسيلة للتغير وإيذاء
المسلمين وزعزت الأمن لكنه هو الغلو الذي تترجم افعاله
بالكثير من التجاوزات والإنتهاكات .
المتأمل في نصوص الشرع وأحكامه يتبين له الوسطيه والإعتدال فقال في محكم كتابه ” وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونو شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا”
دمت متألقاً
؛
أغسطس 30th, 2009 at 30 أغسطس 2009 11:49 م
فرح
اشكرك من الأعماق بأن نبهتني على أمر مهم
غاب عني وأنا اختم المقال
وهو أنه سيلي هذا المقال سلسلة تحتمل نفس
العنوان، وتناقش الإرهاب من زوايا عدة
فشكرا لك
أما قولك،
“ربط طبيعة سكان البيئة الصحرواية واحتوائها الفكر الإرهابي إلى حد ما صحيحة عندما وضحت تحيزها لأرئها واقصاء كل مخالف في الفكر معها .. لكننا لا نتجاهل حقيقة وجود الإرهاب في شتى مناطق العالم”
بكل تأكيد،
وكما تفضلتِ بالقول هو موجود في كل العالم
ولكن ما عنيته في هذا المقال
أن الإرهاب في كل مكان وزمان يبحث عمن يحتويه
ويوفر له البيئة التي تعينه على النمو
ومجتمعنا يوفر ذلك لأن عصب التطرف الفكري
مزدهرا، مما يجعل عملية قبول أحادية الرأي شائعا
وهذا يجب التنبه له والإقرار به قبل كل شيء
وبإذن الله سيكون في المقالات القادمة ما يرضيك
خصوصا وأن البذره القادمة التي سأتناولها
هي المنهج، وهي قضية أزعم أنها مهمة
لأن المنهج هو الطريقة التي يسير عليها المجتمع
في حياته عموما، وفكره خصوصا..
وهذا ما يهمني هنا في هذه السلسلة
أغسطس 30th, 2009 at 30 أغسطس 2009 11:52 م
ريما
مع الأسف أن الإرهاب لم يجعلنا ننظر إلى الصورة كاملة
بل حصرنا الحل في الجانب الأمني دون الفكري
والفكري أيضا ليس مواجهة أفكار الإرهابيين
فهذا مطلوب، ومهم جدا..
ولكن من خلال فهم الوعاء الذي احتوى هذا الارهاب
أي المجتمع، سواء كان احتواء ظاهرا واضحا
أو كقالب يدعم التطرف بجميع أشكاله وصوره في الحياة
ومن ضمنها التطرف الديني
.
.
.
دمت بخير،،