مدينة الألعاب
كتبهاعبدالله الدحيلان ، في 21 يونيو 2009 الساعة: 02:34 ص
توقف كل شيء خلق للحركة والحياة، في مكان وظيفته بعث الأمل والفرح في نفوس هدها الحزن والألم وهموم لا تنوي الرحيل. فاحت رائحة الموت فتغلغلت سريعا تقبض أروح الألعاب الملونة التي تدور بسرعة جنونية مخرجة موسيقى صاخبة.
جلست تراجع ما حدث في لحظة لم يدر في خلدها أن تحدث، أبهذه السهولة تنقلب الحياة على رأسها ويتحول الفرح حزنا وتتوشح الدنيا السواد ويتوارى النور خلفه مسرعا وكأنه لم يكن حاضرا قبل قليل؟! هل نسيت بالفعل أم تعمدت النسيان أم هو الذي نسي ودفعها لنسيان أيضا؟!.
- اليوم موعدنا في مدينة الألعاب!
- في انتظارك..
أن يطلب اللقاء، فهذا أمر غير مستهجن منها، فهو من يقدم الدعوة ويحدد المكان والزمان..أما هي فلا عليها إلا القبول!. أغلقت سماعة الهاتف، فتحت باب دولابها وقلبت ملابسها، لم تشعر أن أيا من فساتينها قد أغراها لكي تلبسه، فلمحت ذلك القميص البرتقالي والجنز الرمادي الضيق فابتسمت متذكرة أنه يحب هذا القميص المحفور الذي يجعل أعلى صدرها بارزا وذلك الجنز الضيق الذي تحشر نفسها فيه بصعوبة فتبدو وكأنها طاووس منفوش الريش!.
رنّ هاتفها رنة واحدة، كرمز بينهما في حالة اللقاء أي (أنا في الخارج ، هيا اخرجي). نثرت على نفسها عطر باريسي فاخر بشكل عشوائي..ثم خرجت تسابق الخطى وتتأمل القادم والذاهب في وجل!.
- سنلعب اليوم كثيرا..أريدك ِ أن تركبي معي قطار الموت والصحن الدوار ونتشارك بالتجديف في تلك البحرية الصغيرة.
لم تجب، فقد كانت تمارس التجديف في عينيه السوداويتين وتلحظ حركة فمه وهو يتحدث مبتسما.
- سنذهب إلى تلك المدينة.. حيث التقينا أول مرة.. كم اشتقت إليها.
حينها ظل يطاردها طويلا، وهي تمسك تلك الوردة الحمراء غير خافية الدلالة. رمى الرقم عليها فخطفته قبل أن تلمحها عيون من تصفهم بالمتطفلين!.
غريب أمر ذلك الرجل لم يطلب لقاءها سريعا كما كانت تتوقع، فهذا ما يفعله أي رجل يتعرف عليها حتى يقضي معها ليلة محفوفة بالمال والهدايا.. ثم تكون النهاية. ولكنه فضل أن يحتضن هاتفه الجوال يوميا بعد منتصف الليل ليسمعها مختارات من أشعار نزار قباني ..
أحبيني بلا عقد ِ
وضيعي في خطوط يدي ..
أحبيني .. لأسبوع .. لأيام .. لساعات ِ
فلست أنا الذي يهتم بالأبدي ..
أحبّت نزاراً من حبه له، فلم تسمع يوما كلاما كهذا الكلام الساحر الذي يلج في النفس فلا يخرج منها إلا بآه مديدة. من يحدثها عن الحب ؟! أبوها الذي لم تره يوما بوعيه حتى تحدثه فهو مخمور منذ أن عرفته! أم أمها؟ كيف تحدثها عن الحب وشجونه وهي لا تراها إلا ووجها متورم ومليء بالكدمات! فهي تجمعهم حولها في غرفة مظلمة كالدجاجة التي تحمي صغارها من الغرباء وذلك لما يعود الأب في الليل مترنحا. يصرخ ويطرق الباب والأم ترفض الإجابة، فيكسر الباب ويجرها من شعرها بقوة ويقذفها على الأرض، فتسقط مغشيا عليها. يستفرد بإحداهن وهن كنعاج أمام الذئب لا يملكن إلا الصراخ.
أحبته، فهو بالنسبة لديها شاب خارج عن نطاق العادة والمألوف، شاعر مثقف واعي حنون سلسل التعامل. اندفعت إليه بكل قوتها حتى لم تعد تسأل كما هي العادة (متى النهاية) إنها لا تريد النهاية بتاتا ، بل تريد هذه العلاقة بداية النهاية وطمس لكل علاقة ماضية.
بنشوة تفوق نشوة الأطفال بزيارة مدينة الألعاب، قطعا تذكرتين ودخلا. فور دخولهما طلبت منه شراء الأس كريم من المحل الذي رآها فيه أول مرة. زحام شديد عند البائع ، همس في أذنها..
- كل هؤلاء عشاق مثلنا أتوا يستعيدون الذكرى!
ضحكت وهي متكئة عليه تلاعب شعر يده الكثيف، فهو من الكثافة بحيث تقوم بتفريق الشعيرات يمينا ويسارا ثم تعود إلى تجميعها مرة أخرى. ناولها اللون الأصفر وأمسك باللون البني وراح يحاسب البائع.
أحدهم غرس شيئا في يدها خلسة وسط الزحام، تفحصت يدها فإذا هي ورقة صغيرة جدا. دنا منها وعينيه تثير سؤالا، بلعت ريقها والأس كريم يذوب شيئا فشيئا..
- ما هذه الورقة؟!
فتحت الورقة فوجدت بداخلها رقم هاتف جوال ودون فوقه اسم لأحدهم. همت أن تبرر، تلعثمت تأرجحت الكلمات ولكنها لم تخرج. بصق في وجهها ورمى الأس كريم أرضا..
- يا لي من أحمق .. كيف نسيت من أنتِ في الأصل!
ثم تركها لوحدها، وظلت غريبة وحيدة وسط جموع الناس التي تفد تباعا محدثة موجة عالية من الضجيج تلتهمها؛ انسحبت لتلقي نفسها بجوار البحيرة التي تتوسط مدينة الألعاب، هناك حيث قذفت بالأس كريم وعجنت الورقة اللعينة حتى تفتت!.
——————–
* نشرت في العدد التاسع عشر من مجلة دارين الصادرة عن النادي الأدبي بالدمام
عبدالله الدحيلان
(سفير الكتابة)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : من وحي الإبداع | السمات:من وحي الإبداع
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج


























يونيو 21st, 2009 at 21 يونيو 2009 5:25 م
يعطيك العافية على هالقصة الجميلة ولكنها مليئة بامور خارج نطاق العادة !!!
اسمح لي على كلماتي هذه ولكن ملاحظتي هذه جاءت من اجل تنبيهك الى ان القصص الواقعية التي تعكس واقع وعادات مجتمعنا تكون اقرب الى النفس دائما
على العموم قصتك رائعة وقلمك رشيق التعبير
شكرا بعمق للجولة الادبية القصيرة التي تجولت بها هنا والتي اعود اليها دائما عندما افتقد عالم الادب والصحافة
شكرا بود
يونيو 21st, 2009 at 21 يونيو 2009 9:18 م
اخي الكريم عبد الله ..
قصه مؤلمه ربما لايعاني منها مجتمعنا بشكل ظاهر وانما بشكل خفي غير واضح وقليل جداً..
لكن احزنتني الفتاه عندما وجدت الحب فقدته …
فقدته لان مابني على باطل فهو باطل …وهل كانت تظن انه سيستمر معها اكثر من هذا ..للاسف اخطات في تقدير الحساب
فالرجل الشرقي الا من رحم الله يظل يلعب ولكن عند الاستقرار يختار
فتاه لم تعبث مع احد ….
لك الشكر على القصه عبدالله
يونيو 21st, 2009 at 21 يونيو 2009 11:01 م
منى
حقيقة صدمني قولك
“ولكنها مليئة بامور خارج نطاق العادة”
تمنيت حقيقة أن تبيني لي
الأمور التي وردت وهي خارج نطاق العادة؟!
الحكاية واقعية
مستمدة من البشر أنفسهم
بأخطاءهم وعواطفهم
هي منهم ولهم!
.
.
.
في انتظار عودتك،،
يونيو 21st, 2009 at 21 يونيو 2009 11:06 م
بوح القلم
دور القاص هو في تسليط الضوء
على البقعة الصغيرة ليراها جميع الناس
هذه القصة تحدث داخل كل مجتمع
ولكن على نسب متفاوته
حسب الثقافة السائدة هناك
تقولين:
“ولكن عند الاستقرار يختار فتاه لم تعبث مع احد”
وهل سيجد؟!
هذا هو السؤال الحقيقي..
.
.
.
دمتِ بخير،،
يونيو 23rd, 2009 at 23 يونيو 2009 12:26 ص
اخي الكريم عبدالله …
وهل سيجد؟!
هذا هو السؤال الحقيقي..
.
……………………….
اخي عبدالله سؤالك خطير ….هل هو اتهام او تساؤل ..
يااخي لاتزال البيوت مليئه ببنات لازلن على العهد الاول
من جيل امهاتنا وجداتنا ..شريفات وعفيفات وتقيات
لايغرك ماظهر من الفساد ..ولكن امة محمد عليه السلام
لاتزال فيها الخير ..
ولاتزال الكثير من البنات مثال يفتخر بهن ..
اتمنى ان تتغير نظرتك …(ولا راح تكسب عداوة معشر النساء )
اترك بخير والى نظره افضل
يونيو 23rd, 2009 at 23 يونيو 2009 1:36 ص
بوح
“اخي عبدالله سؤالك خطير ….هل هو اتهام او تساؤل”
تساؤل..
وإلا فإن الخير والشر في كل مكان
وأنا متفائل جدا
والواقع يشهد بأن الخير لازال بيننا
وعلينا أن نعلم أن هناك فرق بين الحب كـ فطرة
وبين النزوه كـ ممارسة
فالحب أغلب الناس يتعرضون له
بينما النزوه، هي مرحلة متقدمة من الخطيئة!
.
.
.
لا تسيء الظن بأحد
فلا زال فينا نحن أيضا خير!
يونيو 26th, 2009 at 26 يونيو 2009 6:15 م
.. جميلة تلك النهاية جد جميلة ..
أعجبتني كثيرا ..
”
شكرا لك ياراقي الفكر ..
”
حمى الله الجميع من كل سوء
=)
يونيو 26th, 2009 at 26 يونيو 2009 11:52 م
روح محلقة
شكرا على مرورك،،
يونيو 29th, 2009 at 29 يونيو 2009 8:16 ص
الأستاذ الفاضل عبدالله الدحيلان
قصة اختصرت فيها البداية والنهاية وأسبابهما !
شكرا
وشكراً مرة أخرى على مرورك الكريم في مدونتي..
أسعدتني قراءتك لمذكراتي وتعليقاتك عليها
تقبل تحياتي
يونيو 29th, 2009 at 29 يونيو 2009 3:09 م
أحمد الحربان
سعيد بمرورك من هنا
على ألا تكون هذه الزيارة هي الأخير
وقد تبقى لي في مذكراتك بضع أجزاء
سوف أمر عليها اليوم للإنتهاء منه
فلقد كانت تجربة تستحق التدوين فعلا
.
.
.
دمت بخير،،
يوليو 3rd, 2009 at 3 يوليو 2009 9:30 ص
مساء/ صبآح السعىدة والامل
عبدالله
خلقتَ لهما من الاعذار مايكفي لتبرير الخطأ الذي ارتكباه
ألا توآفقنِي بأنهما يستحقان وأكثًر …!!
شكراً لكْ
يوليو 3rd, 2009 at 3 يوليو 2009 8:51 م
عذراء
لا أحاول أن أخلق أعذارا لأحد
ولكن أوري ما يحدث كما حدث!
ولو كان الأدب يفسر من وجهة نظر واحدة
فهو ليس بجدير بأن يقرأ
فلكِ أن تفسير النص كما تشائين
فهو حامل أوجه
.
.
.
دمتِ بخير،،
يوليو 4th, 2009 at 4 يوليو 2009 2:51 م
فلمحت ذلك القميص البرتقالي والجنز الرمادي الضيق فابتسمت متذكرة أنه يحب هذا القميص المحفور الذي يجعل أعلى صدرها بارزا وذلك الجنز الضيق الذي تحشر نفسها فيه بصعوبة فتبدو وكأنها طاووس منفوش الريش
اخي الكريم
لم اقصد ان اصدمك بكلماتي واعتذر لذلك
كل ما استشعرته بان هذه القصة من غير الممكن ان تكون سعودية نظرا لعاداتكم وتقاليدكم فهل من المعقول ان يخرج شاب مع شابة بهذا المنظر وبهذه الطريقة التي تعد خارجة عن المألوف عندنا بالخليج عموما حتى وبهذه التفاصيل ؟
وشعرت وانا اتجول بين بعض كلماتها خاصة التي وضعتها اعلاه بان بعض هذه الكلمات والتي تصور امورا بالمراة انه لا داعي لذكرها
لا اعلم ولكن هذه وجهة نظري ولك تحياتي
يوليو 4th, 2009 at 4 يوليو 2009 10:40 م
منى
كيف حالك؟
لا أعلم بالبداية كيف حكمت على
هذه القصة بأنها قد جرت أحداثها في السعودية؟
فلا توجد أي إشارة لذلك..
القصة، كما لا يخفاك يا أيتها الأديبة المتألقة
لا ترتبط ببيئة كاتبها الذي هو حر طليق
يستلجب أي بيئة أو شخصية يرى أنها مفيدة له
سواء من الداخل أو الخارج
.
.
.
سعيد بتواصلك،،