الجهل والتعصب.. مفهوم الأدب عند سيد قطب وعبدالله الغذامي أنموذجا
كتبهاعبدالله الدحيلان ، في 14 يونيو 2009 الساعة: 22:07 م
شكل التعصب والتحزب في مجتمع تقليدي كالمجتمع السعودي، محورا في التعاطي مع القضايا الفكرية والثقافية، مما أوجد ميلا للقوالب الجاهزة المجهزة، وهي مقدمة عند أتباع هذا الفكر أو ذاك على الحقائق العلمية التي لا يعرفها إلا من كان معنيا بها، وليس متطفلا عليها.
فهذه التحزبات و(الشللية) الفكرية وقفت سدا منيعا تجاه (الحقيقة)، مما افرز لدينا نماذج منغلقة على نفسها، وتطالب الآخرين في نفس الآن بالانغلاق حتى لا يتم اختراق فكر ما أو تيار ما. هذا الانسداد في مجرى التلقي ساهم في نمذجة أفراد المجتمع وفق نموذج واحد هو النموذج الذي يقطع كل السبيل على من يحاول غربلة أوراقه، وبات السكون والخمول المعرفي هما السبيل لنجاة من الفتن، كما يقال!.
وعلى هذا ظهرت لدينا مواقف متصادمة تمام التصادم، حتى وصلت إلى نفي المخالف، وعلت هذه الأصوات حتى أصبحت المهيمنة على الجمهور الذي بات يعبدها (ممارسة) وليس (اعتقادا)، وذلك عبر الانصياع المباشر، وحمل خلفية مورثة إليه من رموز هذا الفكر، وعليه يتم الخوض في مسألة لا علم لهم بها، ويطلقون أحكاما لم يتثبتوا منها، ولكن ثقتهم (العمياء) في فلان وعلان، هي من جعلتهم (عبيدا) للفكر وليس طلابا للحق.
هذا الهدوء الثقافي نخر في عظم هذا المجتمع (الفتي) الذي كان ينبغي له أن ينشط ويتحرك وفق الحدود العامة، ولكن الصدمة كانت في انغلاقه على نفسه و(التوجس) من الشيء قبل معرفته، وفهمه. ولعل في هذا مصلحة لأي تيار (يعشق) التسلط وفرض أرائه على الآخرين ليكسب الأنصار والمؤيدين، في ظل رفعه لشعارات المدغدغة للمشاعر والمهيجة لها، كالشعارات الدينية التي لا يختلف عليها مسلم.
وضح لي ذلك جليا بعد تأجيل ندوة الأستاذ الدكتور عبدالله الغذامي في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض قبل حوالي شهر من الآن. فقد كانت هناك هجمة شرسة لاستضافة هذا (الحداثي)، أصبح حلوله ضيفا على الجامعة نكبة ونكسة لتوجهها!. وقد كانت تهم الغذامي كما حاولت إحصاءها، هي تهم – حسب تصور المخالف له – لا تخرج المرء من الملة بل هي قضايا مختلف عليها.
ومع ذلك برزت أمامي بضع اتهامات جعلتني أراجع نفسي لمحاولة فهم هذه الطائفة (الفكرية) في المجتمع، وكيف هي مستعدة لخوض المعارك بناء على ما سمعت أو ما حاول الآخرون توضيحه لهم، دون سعي منهم لفهم القضايا والبحث فيها، للخروج بحكم منصف وعادل. وقد لاحظت أن كتاب (الحداثة في ميزان الإسلام) للأخ عوض القرني هو الكتاب (المقدس) الذي يستشهد بنصوصه وكأنها أحكام غير قابلة لنقض.
وأنا هنا لست بصدد مناقشة كتاب الأخ عوض وما جاء فيه، كفهمه للحداثة وخوضه في مجال الأدب، ثم إطلاقه أحكام التكفير في حق بعض المسلمين.. كل هذا سأحاول تجاوزه، واقفا عند ما يتعلق بموضوعي هنا، وهو الدكتور عبدالله الغذامي. وقبل الخوض في المسألة كـ (ظاهرة) ثقافية تستحق الفهم، أقول: إن الخطاب الذي كان يجيش الناس تجاه الآخرين لنبذهم ورفضهم لأسباب هلامية وضبابية، لم يعد يغري المنصفين كثيرا، خاصة بعد أن تتبين الحقائق وهي مجردة من هذه الخلفية النابذة للآخرين، وذلك بعد القراءة والمحاورة، إلى أن يتم استخلاص النتائج.
وأذكر أن أقواما حذروني كثيرا من (فكر) الغذامي؛ لأنه حداثي!. فقرأت كتب الرجل وشددت الرحال مناقشا له أكثر من مرة، ثم طلبت العلم بين يديه ثلاث سنوات متتالية كنت أحضر فيها مستمعا له في جامعة الملك سعود.. فكانت النتيجة، أن من قال أنه لا يصلي كذب عليه؛ لأني أجده يسبقني دائما لمصلى كلية الآداب، ومن قال لي أنه يهدم الدين بحثه على (الرذيلة) كذب، فلم أجد الرجل إلا واعظا في مسائل الأخلاق، وكأني به خطيب جمعة!. كل هذا اعتبرته عبئا علي، مما ألزمني قول كلمة حق (علمية) في رجل لا يستحق إلا الثناء رغم أنف الجاهلين به، والمصدرين بحقه أحكاما جائرة ظالمة، متناسين أن الظلم ظلمات يوم القيامة!.
أعود لمحاولة فهم هذه الظاهرة، فأول ما استوقفني بعد إلغاء محاضرة الغذامي هو أن الضيف دعا إلى فصل الدين عن الأدب، معولين على استشهادهم من نصوص من الكتاب المقدس السابق ذكره. ولأن المتحدث لا يفهم في نظريات الأدب والفن فهو أطلق حكما جائرا جر خلفه عدد ليس بقليل من الأشخاص. الشاهد، أن هذه القضية لم يبتدعها الغذامي لوحده، بل هي موجودة منذ أن وجد الأدب عند الجرجاني والجاحظ، وأخيرا وليس أخرا سيد قطب، الإسلامي المعروف!. ولعل من المفيد جدا أن ننقل لكم حديث سيد في هذه المسألة لأنه قطب من أقطاب الفكر الإسلامي المعاصر، الذي جر خلفه أفكارا هدامة، ومع ذلك يغض الطرف عنه عمدا وكأن أخطاءه ليست كأخطاء الآخرين في حق الدين!.
يقول قطب – رحمه الله – في كتابه النقد الأدبي/ أصوله ومناهجه، الصادر عن دار الشروق: " ليست غاية العمل الادبي إذن أن يعطينا حقائق عملية ، ولا قضايا فسلفية ، ولا شيئا من هذا القبيل ، كما أنه ليس من غايته أن يحقق لنا أغراضا أخرى تجعله محصوراً في نطاقها مصبوبا في قوالبها ، ليس الأدب مكلفا أن يتحدث مثلا عن صراع الطبقات ولا عن النهضات الصناعية ، كما انه ليس مكلفا ان يتحول إلى خطب وعظية عن الفضيلة والرذيلة… فالواقع أنه هو غاية في نفسه ، لأنه بمجرد وجوده يحقق لونا من ألوان الحركة الشعورية". ص8 ويقول في نفس الكتاب :"فالموضوع بحد ذاته ليس هو مناط الحكم، وأهدافه العقلية أو الاجتماعية أو السياسية.. أنما التصوير المعبر الموحي، والانفعال الناشئ عن هذا التصوير". ص9
إذن، لاحظ معي أيها القارئ الكريم، أيتها القارئة الكريمة، كيف أن قطب يحمل نفس فكر الغذامي ومع ذلك لم يهاجم ولم تسن عليه السياط، أتعلمون لماذا؟ لأن قطب دخل ضمن مظلة الفكر الإسلامي وبات من المصلحة غض النظر عن أخطاءه التي لم تتوقف إلى هنا، بل طالت التنقص من الأنبياء والصحابة، والقول بجاهلية المجتمعات وتكفيرها، ومع ذلك لا شيء يقال عن قطب إلا خيرا، ورحمه الله فلقد كان شهيدا!!!. فأي خلل فكري متغلغل في شرايين هؤلاء؟!.
وجدير بالذكر هنا، أن نقول أن من قرأ كتاب الخطيئة والتكفير الذي نقل منه قول الغذامي، سيجده يقول :"إن أهمية النص ليست فيما يقوله ، ولكن فيما يوحي به"ص 120، بل في كتابه الموقف من الحداثة قال أيضا: " ونظرنا إلى النص بناء على ما فيه من جماليات بلاغية ، وأسلوبية ، فإننا عندئذ لا نلغي المعنى ولكننا نجعل المعنى في مكانه اللائق به لأنه لا يحتل الصدارة إنما هو في الخلفية ، ويكون للجماليات البيانية المقام الأعلى في الأمامية" ص76. بل المطلع على كتابه النقد الثقافي وثقافة الوهم.. وغيرهما، سيجده لا يقف موقف قطب (المتطرف) نقديا، ولكنه يأخذ بالمعنى، بل إن مشروعه النقدي يقوم على النظر فيما وراء النص، وهو ما يسميه بالنسق.
النقطة الثانية التي وردت في كتاب الدكتور القرني المشار إليه سلفا، هو أن الغذامي أثنى على أودنيس، الشاعر السوري، وهو يقول بأقوال كفرية من جهة، وفيها مجون من جهة أخرى. قلت: هذا فيما مضى، فالغذامي لم يعرف عنه إلا مهاجمة أودنيس؛ لأنه يحمل في طيات فكره رجعية فكرية جعلته منه طاغية لا شاعر حداثي، والحال جره الغذامي على نزار قباني. ولطالبين الحق عليهم قرأت (النقد الثقافي) و(المرأة واللغة) .. ومجموعة من كتب الغذامي التي لا تجد فيها ثناء على أودنيس بل قدح في فكره، وأخر ذلك لقاءه الذي أجراه في صحيفة سبق الإلكترونية، وذكر فيه أن أودنيس يعتبره (إمام مسجد) لإنه يقدح فيه. وأنا أستشهد بهذا اللقاء؛ كون هناك مجموعة وصل تعصبهم الفكري إلى عدم قرأت كتب من يعتقدون أنه مخالف، فهذه اللقاءات الصحفية منثورة في الشبكة فأطلعوا عليها إن كنتم صادقين!.
وبالمناسبة، فلقد أثنى سيد قطب - أيضا – على نجيب محفوظ، صاحب رواية أولاد حارتنا التي كفر بسببها، ولم نجد أي إنكار على قطب، خصوصا وأنه لم يتراجع عن هذا الرأي ولا عن الرأي الآخر الذي سبق إيراده قبل وفاته! مع ملاحظة أسلوب محفوظ في الكتابى الذي لايروق للبعض!. فهو يقول في كتابه النقد الأدبي: "نجد أن خان الخليلي لنجيب محفوظ الشاب. وإن ليسرني أن ألمح هذا الشبه العام في اتجاه الأفاق.. وهذه السمة سمة كبار القصاص، والقصة وليدة في الأدب العربي. فحسبها أن تبلغ الآن ما بلغته في فن هذا الشاب" ص78
ختاما، لم أكتب ما كتبته إلا من أجل الحق، وليس تعصبا ولا تحيزا، بل قد اختلف مع دكتوري عبدالله الغذامي، وهو حق مشروع، ولكن الحق والعدل والإنصاف لا خلاف عليه. وكذلك أود أن أقول للمتعصبين من الناس، أعيدوا النظر فقد يكون الحق فيما أنتم معرضون عنه، فلا نكن من الظالمين الذين يدعون العدل، ولنتذكر ما حدث مع النبي صلى الله عليه وسلم والإمام محمد عبدالوهاب، وغيرهما، - مع فارق التشبيه – ونجد كيف أن الناس أعرضوا عنهم فخسروهم، وخسروا قبل ذلك أنفسهم… والله ولي التوفيق.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : ولدت وترعرعت هنا | السمات:ولدت وترعرعت هنا
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج


























يونيو 15th, 2009 at 15 يونيو 2009 11:26 ص
كتبت فأجدت ومررت الحروف كما المشرط
ألا تـرى بأننا أبلغ وأكثر المجتمعات التي تقدس الشكليات والمسميات
والألقاب ونسقط ماعدى ذلك الجميع في مجتمعنا مأخوذ بهذه الموجه
أقصد السفسطه نحن بأختصار غارقون في الوهم نحن نصنع من أنفسنا أصنام
طريقه مختلفه وغير صحيه تتم عن طريق هذه التحزبات و(الشللية)
الفكرية أو التياريه أن صح التعبير
استاذي نحن بحاجه لأنتاجيه متفاعله بكل شيئ لينهض المجتمع فالعالم في تطور مـذهـل
ليس فقط ماسمي حراك ثقافي وفكري أو تنافس تيارات لاتعدو كونها مساجلات هنا وهناك
قرأت في أحد المواقع أن هناك صحيفه أمريكيه مشهورة تصدر
ملحق شامل يحتوي على كل ماهو جديد في كافة التخصصات
ويسبق بقية العالم ويوازي ماينتجه بسنه كامله
بالغ تقديري وأحترامي لكم
يونيو 15th, 2009 at 15 يونيو 2009 4:57 م
اخي الكريم عبدالله ..
للاسف الناس اذا اخذت فكره من البدايه من الصعب ان تغيرها ..انا لم اقراء للغذامي .لكن ساحاول ان افهم
فكر هذا الرجل لااعرف من هو ..
من الجميل الوفاء ..وانت اهل للوفاء لدكتورك عندما عرفت انه على حق بان تقف بجانبه .
اذا كان محق فيما يقول سياتي وقت ويقتنع الناس بفكره
موضوع قيم ..وفيه الكثير من الوفاء
يونيو 16th, 2009 at 16 يونيو 2009 10:47 م
يا أنا
سعيد بمرورك
وجميل ردك
.
.
.
دمت بخير،،
يونيو 16th, 2009 at 16 يونيو 2009 11:09 م
بوح القلم
حاولت هنا أن أقول كلمة حق في رجل عاشرته وحاورته
فمن الظلم كل الظلم أن أسكت
فهذه تبرأت إلى الله مما قيل فيه
فهو ليس معصوم من الخطأ
ولكن فلنحذر من الظلم فهو ظلمات يوم القيامة!
.
.
.
دمت بخير،،
يونيو 17th, 2009 at 17 يونيو 2009 9:48 م
“أن الظلم ظلمات يوم القيامة!.”
صدقني كثـــيــر من نسي هذه العبارة !!!
فقط حسبي الله و نعم الوكيل
أنا مع الأخت بوح القلم فيما قالت
لاأعرف فكر الدكتور الغذامي
لكن جميل هو وفائك له و انصافك له حينما شعرت أنه مظلوم
دمت بخير
يونيو 19th, 2009 at 19 يونيو 2009 12:58 ص
صدقت و دائماً ما ادافع عن الغذامي لله دره من عبقري و قلت سابقاً
يكفينا فخرأ انه من السعودية رغم أني قد أختلف معه في أمور بسيطه
و لكن لا يمنع أن أقول الا الحق عنه فلماذا يكفر من هؤلاء الجهلة
الذين يظنون أن الله قد منحهم لواء الدين رجلاً مسلماً فقط لأرائه الأدبيه
اعوذ بالله من هذة الجريرة
أما بخصوص سيد قطب لا املك اطلاعاً كثيراً عليه حتى أعرف
أرائه الأدبيه رغم أني قرأت له و يعجبني و لكني لم أقارنها بالغذامي
أغبطك على استماعك له هذا الرجل يعجبني كثيراً أبيع كل ما لدي و أجلس
لأنهل من علمه ليوم واحد
يونيو 21st, 2009 at 21 يونيو 2009 12:43 ص
ذكرى الجروح
وفائي لهذا الرجل منبعه علمي بما لديه
ففي السابق كنت مشحونا تجاه
هكذا..
لكلام سمعته، وبجهل مني صدقته
لذلك قول كلمة حق فيه الآن
هي أقل ما استطيع أن أكفر فيه عن أرائي
وأيضا أن أحذر الآخرين إلى عدم الانجراف
في تيار الظلم والتساهل فيه
والله من وراء القصد،،
يونيو 21st, 2009 at 21 يونيو 2009 2:43 ص
نوفه
أبشرك أنا مؤخرا صرت في وجهه
أربع وعشرين ساعة!!
والرجل عالم موسوعي
لن تندمي على النهل من علمه
ويا ليت من أعرض عنه أن يكف لسانه
ولا يطعن في الناس بكل صفاقة وجهل!
.
.
.
أوصيك بأحد بكتابه (المرأة واللغة)
يوليو 1st, 2009 at 1 يوليو 2009 12:22 ص
هذا الكتاب في قائمتي حملته و سأقرأة باذن الله متى ما تيسر
الوقت سلمني عليه قول اني من معجبينه اسمي نوف بنت عبدالعزيز
و اذا يوقع لي كتاب ما اقول لا
يوليو 1st, 2009 at 1 يوليو 2009 3:40 ص
نوفه
يوصل إن شاء الله
ويوقع، ليش ما يوقع لك؟
.
.
.
دمتِ بخير،،