لا يدان المرء بشيءٍ ليس به .. ولا خلق بالناس معصوم الزلل

الغوغائيون والفعاليات الثقافية - مقاربة فكرية

كتبهاعبدالله الدحيلان ، في 20 أبريل 2009 الساعة: 16:34 م

كم هو مؤلم، ومخجل في الوقت نفسه، أن تصبح المناسبات الثقافية التي هي عادة ما تكون وسيلة لنمو الفكري والازدهار الثقافي والاختلاف الحواري إلى (ثكنة) عسكرية، حيث ينتشر الجند حول المكان ناصبين حواجزا إسمنتية ضخمة توقف أي سيارة قادمة حتى تخضع لتفتيش إلى أن يتم التأكد من خلوها من أسلحة متفجرة قد تحول المكان إلى ركام في غمضة عين!.

إن الوصول إلى هذه المرحلة المحرجة من (الانغلاق) الثقافي و(التأزم) الفكري دليل على أن المجتمع يحتاج إلى غربلة أوراقه من جديد، وإعادة صياغة فهمه ليتوافق مع مبدأ الاختلاف الذي هو سنة ربانية في البشر منذ أن خلقت الخليقة.


فقد كثرت هذه الأيام تجاوزات (الغوغائيين) وباتت بقعة سوداء في ثوب الثقافة المحلية، حيث حرص هؤلاء على تخريب كل فعالية أو نشاط ثقافي لا يقبلونه، ثم يقومون بعد ذلك بإلباس هذا الأمر لباس الدين وأنهم ليس إلا (محتسبين) جاءوا لإنكار المنكر ونصيحة المتطاولين على شرع الله!!.


وهذا التفسير السطحي ينم في أصله عن أزمة فكرية حادة تقوم في محورها على أساس (تبسيط) المشكلات كناتج حتمي عن (فقر) ثقافي فردي واجتماعي. ولأن شرع الله – مع الأسف – أصبح المطية الأسهل التي يركبها كل من يريد تبرير عمله، من ليبراليين ومتدينين، نجد هؤلاء قد لجئوا إلى الدين ورموا السحر في أعين البسطاء الذين لا يولون اهتماما كبيرا لتعمق والتحليل، بل يوكلون هذه المهمة لغيرهم ممن يرون فيهم القدوة التي تستحق الدعم. 


 في حين أن أصل المشكلة ليست ثنائية (الحلال/الحرام) فهذا حل بسيط لإنهاء الأزمة وتقديم الحلول السريعة والبسيطة التي تتكئ على حتمية المسألة. ولكن المشكلة تكمن في المخزون الثقافي للفرد الذي يعالج مشكلاته بثنائية (معي/ضدي). وهذه الثنائية تكشف متانة الوعي أو هشاشته في فرض أساسيات تقويم المشكلات والبحث عن حل لها وفق التصورات التي تشكل ثقافة كل فرد.


فمقاومة ما نتصور بأنه حرام بالعنف والتهديد بالقتل والتصفية الجسدية كما حدث في الأمسية الشعرية والتي أقيمت مؤخرا في نادي الجوف الأدبي، ليس في حقيقته مواجهة للحرام بقدر ما هو (فقدان) للحيلة العملية السليمة التي ترسي بك إلى بر الأمان، الإنساني والقانوني. فالانفعال والصراخ والاعتداء الجسدي ليس منهجا قويما في كل المقاييس، الديني منها أو المنطقي. بل هذا يثبت ما سبق الإشارة إليه بأن هناك تأزم فكري لا يعرف حل مشكلاته إلا بالعنف و(نفي) الآخر، معتقدا بأنه بفعلته تلك أزال الخطر وتخلص منه، وهذا غير صحيح، فالقانون الطبيعي والفطري أيضا والذي وضعه نيوتن يقول: لكل فعل ردة فعل مساوية له بالمقدار ومعاكسة له بالاتجاه. إذن، نحن أمام ظاهرة كونية ستتكرر في قوالب متعددة وصورة مختلفة.

وردة الفعل هذه قد تكون في مواصلة الإصرار لما يراه الطرف الآخر بأنه صحيح وسليم، وهذا ديدن متكرر مع كل من يحارب، سواء كان فردا أو تيارا أو حزبا أو تنظيم. وقد لا يكون هذا الإصرار نابعا من ضعف وخوف ولكنه طمعا فيما يقدمه هؤلاء الغوغائيين من (شهرة) ما كان ليحلم بها طوال حياته!. وهذه الخدمة (المجانية) تؤكد أن المعالجة العنيفة لا تؤدي إلى نتيجة تضع حدا لما نرى بأنه خطأ، بل نحن نساهم في غرس جذوره، وفي أحيان تخليده في التاريخ كما حدث مثلا مع رواية بنات الرياض، بالإضافة لبعض الأسماء والشخصيات التي لم تمت (فكريا) كما كان يتصور البعض ذلك.


المواجهة الفكرية الهادئة، والغير متشنجة، أمر غير متأتي على مستوى الأفراد وسط هذا (التردي) الثقافي الحاصل الآن في المجتمع والذي تسيطر عليه خطابات مشوهة تضرب في عصبه كالخطاب الديني الموغل في تنفير الناس من الحياة وتأليبهم على المجتمع، وكالخطاب السياسي الذي لم ينجح إلى الآن في إتمام معادلة تكاملية صحيحة للمشاركة الشعبية، وكالخطاب الاقتصادي الذي قتل أحلام الطبقات الوسطى لحساب مجموعة من الارستقراطيين النافذين.. إلى أخره من الخطابات.


لذلك لا يعول كثيرا على عامة الناس في (تحسين) الممارسة الفكرية؛ لأن دورهم – ولعوامل كثيرة – محصورا في التلقي واستهلاك ما ينتجه الرموز وأعمدة المجتمع، سواء كانوا علماء أو خطباء أو سياسيين أو مفكرين أو أدباء أو أطباء أو مهندسين.. وغيرهم من أعمدة المجتمع. وعلى هذا يتم التعويل على هؤلاء الأعمدة الاجتماعية كمصدر لتلقي في (طمس) الظواهر السلبية، كظاهرة الغوغائيين في المتلقيات الثقافية، وإيضاح أن المشكلات لا تحل بهذه الطريقة، بل الواقع يثبت أنها لن ولم تحل!. وهذا الطمس يكون عبر مشروع يحمله كل من يرى في نفسه القدرة على إحداث تغيير بدء من الفرد (المحصن) نسبيا من التشنجات وانتهاء بالمكلف رسميا، عبر الدين أو القانون، في حماية من يمتلك حق التسلط عليهم.


وهذا بدوره يساهم في تقليص حجم ونفوذ هؤلاء الغوغائيين الذين يحاولون خلق مبررات تدينهم ولا تخدمهم، حيث يسوقون (عنفهم) بأنه عنف مضاد لعنف آخر، وأنه (مرحلي) قد تليه خطوة غير محسوبة من إرهاب عملي فعلي يترجم قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق واقعيا!. وهذا التفسير من قبلهم، أو من قبلهم من يقف خلفهم داعما أو مبررا، يكشف (بذرة) إرهابية عنيفة تقوم كما ذكر في الأعلى على تكريس حل المشكلات بالعنف، بل تعطي الضوء الأخضر لضغط على الدولة عبر بوابة الإرهاب من خلال حجة ومبرر جديد قديم، شعاره: نفجر ونقتل من أجل إنكار المنكر! كما قال جهيمان من قبل، وإن اختلفت الشعار أو المعطيات قليلا ولكن المضمون واحد لا يقبل بأحد غيره!!.


ولن تحدث أي مساهمة لتغيير فكري في المجتمع ومن ألقيت على عاتقهم المسئولية يمارسون (خداعا) ثقافيا متعمدا في بعض الأحيان عبر قول رأي في العلن تتم مخالفته في الخفاء، وأحيانا آخر، يصرحون بـ (الفجوة) الثقافية التي لم يستوعبوا سلبيتها، فتأخذ في التوسع حتى تملئ حيزا أكبر في ممارستهم؛ لأنهم يعتبرون ذلك (حقا) مطلقا يستندون في تفسيره إما على الدين أو على أي شيء أخر يعطيهم الثقة بصحة أفعالهم أمام نفسه وأمام الناس.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : اجتهاد | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

10 تعليق على “الغوغائيون والفعاليات الثقافية - مقاربة فكرية”

  1. ( يقومون بعد ذلك بإلباس هذا الأمر لباس الدين وأنهم ليس إلا (محتسبين) جاءوا لإنكار المنكر ونصيحة المتطاولين على شرع الله!!.)
    المؤلم أنهم مقتنعين أنه لوجه الله …

    ( لكن المشكلة تكمن في المخزون الثقافي للفرد الذي يعالج مشكلاته بثنائية (معي/ضدي). وهذه الثنائية تكشف متانة الوعي أو هشاشته في فرض أساسيات تقويم المشكلات والبحث عن حل لها وفق التصورات التي تشكل ثقافة كل فرد.) هوكذلك

    شكراً لك موضوع راقي
    دمت بخير

  2. بحق

    كل من غفل عن الماهية الحقيقية لديننا

    وكل من غفل عن فحواه وأصل عقيدته السمحة

    هو إنسان لا يليق بأن ينسب إليه

    فكيف بمن يخالف شرعه ونهجه تحت دثار الدين

    ويتزمل باشرائع ليبح لنفسه المحرمات ويفسرها حسب مرجعيته التي تفتقر للمرجعية الحقيقية ..

    أسفي على عصر بتنا فيه كما السرب يتبع غرائزه بلا أيّة مدارك

    ثقافتنا الحقيقية تنبع من تقبّل الفكر والفلسفة والمنطق والعلوم كافة

    بما يضمن صهرها ضمن بوتقة نهجنا القويم .

    الأخ الراقي / عبدالله دحيلان

    دائماً ما أجد هنا موضوع يشبع استنكاري لما يحدث بالواقع

    تقديري عميق

  3. ذكرى الجروح

    شكرا على مرورك
    وأوافقك الرأي
    بأن المشكلة عندما يصبح المرء
    مقتنعا بأن ما يفعله صحيح

    دمت بخير،،

  4. جراح الرحيل

    المشكلة عندما تصبح فكرية
    يعسر فرض التصور الديني أو السياسي عليها
    كون الفكر متأصل فيه هذا الأمر
    وبأنه صواب لا يحتمل الخطأ
    وعلى هذه الحالة إلى ما لا نهاية من الأزمات
    مالم يقم أعمدة المجتمع بحملة تصحيح
    ولو استغرقت وقتا طويل

    أسعد بأن أجدك هنا دائما،،

  5. همة علامة فارقة
    في كل مهرجان ثقافي يحاولون أن يقولوا نحن هنا بصوت غير صوت المنطق والحق .

    يشعرونك أنهم يريدون قول شيء لكنهم لغرقهم في الرفض يعرفون أنهم سيكونون في جدل منطقي لا يريدون الخوض فيه ، فيأتون الباب من جهة غير جهته .

    شاهدتهم أنا وشاهدتهم أنت في أكثر من موقع ، يأتون للتخريب وفق معايير سابقة تم ترسيخها لديهم ، وليتهم يقومون بتنزيل ستارهم بعد نهاية الحدث بل قبل نهايته وفق ما تم توجيههم له ؛ بيد أنهم لو أتاحوا لأنفسهم حق الإنصلت لأختلف الوضع .

    لماذا لم تقم بنشرها؟!!!

    دمتم..

  6. غارقون نحن في الاعماق

    لا نجيد الغوص

  7. ميقات

    هذه الفئة غرس في أعماقها بذرة العنف
    عبر رفض كل من يختلف معه وفق مبدأ القوة

    والمصيبة،
    أن بعض من يأتي لتلك الفعاليات الثقافية
    ليس على تلك الدرجة العالية من الإلمام بمن
    جاءوا إليهم!

    فهم يتشابكون مع من لم يقرأو له حرفا واحدا
    ويتدافعون لنيل شرف إذاء هذا المنافق تقربا لله!
    وغيرها من أفعالهم الهمجية
    التي لا تمثل الإسلام الذي يبررون أعمالهم به
    ولا يمثل المنطق والعقل السليم

    _______________

    لم أفهم الجزء الأخير..

  8. فرح

    من لا يجيد الغوض يغرق!
    وهذا ما نخشاه حقيقة على مجتمعنا
    وسط توسع نفوذ هؤلاء وعلو صوتهم
    فوق صوت الدين والعقل
    .
    .
    .

    دمتِ بخير،،

  9. ما قصدته هو نشر التدوينة
    في الجريدة .

    دمتم..

  10. ميقات

    كنت أتمنى نشرها!



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر