لا يدان المرء بشيءٍ ليس به .. ولا خلق بالناس معصوم الزلل

حكاية .. حـاج بلا تـصـريح ||الجزء الثاني||

كتبهاعبدالله الدحيلان ، في 24 يناير 2009 الساعة: 21:58 م

701ima

بخطوات هادئة توسط الحضور . تنحنح أحدهم وهو يمسك بالمايكروفون ، ثم بسمل وحمد الله وأثنى عليه ..

- لن أطيل عليكم أيها الأخوة ، فجميعنا متشوقين للاستماع لحجة شيخنا (أبو معاذ) وكيف منّ الله عليه بالحجة وهو لا يحمل تصريحا

هنا رفع الشيخ أبو معاذ رأسه إلى السماء (لا حول ولا قوة إلا بالله .. الله المستعان) . تناول المايكروفون ، ثم أرخى (شماغة) قليلا إلى الأمام .. وبدأ .

لم يكن حديثه مختلفا عما كنت أسمعه من غيره في المحاضرات التي ملئت المساجد والمدارس والجامعات ، بل حتى في الشارع ، حيث هناك من يوقفك ليذكرك بالموت والعذاب والآخرة ثم ينصرف وهو يردد (والله أني مشفق عليك يا أخي) . وفي حالة فكرت في الانسحاب من هذا الحوار لسبب من الأسباب ، ترد قصتك في المجالس ، فيما بعد ، بأنك ممن ران على قلوبهم!! .

قصة أبو معاذ ، أو الشيخ أبو معاذ كما يحلو لمريديه تسميته ، أنه قرر أن يدخل مع الحجاج في يوم عرفة ، حيث ينشغل رجال الآمن بالزحام وترتيب الوفود القادمة من كل مكان ولا تعد مقولة (لا حج بلا تصريح) إلا مقولة ، لا تقدم ولا تؤخر!! . أسهب في حديثه ، وهو يتحدث عن (منى) وكيف هي نظيفة بالرغم من الأوساخ التي يتركها الحجاج ، ذاكرا أن هذه ميزة من خمس ميزات خاصة بمنى ، أما الثانية فهي استيعابها لهذه العدد الكبير من الناس ، فهي لا تضيق بهم . ثم صمت قليلا ، وقال بشكل خاطف وسريع : والبقية لا تحضرني الآن . تبسمت بعفوية ..

- الشيخ شكله مو مذاكر!

- الله يجزاك خير الأصل في هذه التجربة استخلاص الفائدة ..

- أمممم ، على قولتك!

سكن في العزيزية ، ولم يكن متعجلا . وهذا هو البرنامج الذي يتبعه المواطن لتفادي الزحام ، قبل إلزام الناس بالتصريح وبعده أيضا . أبو معاذ كان محترفا في رواية حكايته (العادية) وذلك من خلال الماهرة السردية ، والاعتماد على التشويق وجذب السامع مستعينا بالإلقاء المنبري الذي يروق للمجتمع ، لا لشيء ، إلا لأنهم اعتادوا عليه . بعض ما كان يقوله يعد فتحا عظيما عند الصفوف المتتالية والمتسمرة أمام شيخها وتتفاعل مع كل ما يقول . أما فكنت مبتسما ؛ لأني لم أسلم عقلي كليا لأبو معاذ ، لذلك كنت أدقق في كل ما يقوله ، وحينما يحكي قصة ما ويتبسم الحاضرون أو يكبرون ، كنت أهمس في أذني صاحبي ..

- عادي ، حتى أنا يصير معاي كذا!

لم يتجاوب أبو الخباب ، كما يفضل أن أناديه ، مع هذه التعليقات وكان ينصرف عني ليستمع ، فهو لا يود أن يفوته شيء من هذه القصة العظيمة! . لم يستسغ تهكمي عندما ذكر أبو معاذ أنه وقف مع جمع من طلبة العلم في انتظار المصعد في أحد عمارات العزيزية ، ولكنه لم يأتي حتى فقدوا الأمل ، إلى أن جاء أحد العلماء وضغط ضغطة واحدة على باب المصعد ، فإذا به ينزل سريعا ؛ كالبرق من كبد السماء!! .

- وش ذا الكلام الفاضي!!

في النهاية توصلت إلى أن القصة هي تلميع لذات : أنا عملت كذا وفعلت كذا ورافقت العلامة الفلاني وناظرة المبتدع العلاني .. كل هذا (تضييع) للوقت ، فتندمت على الحضور وتمنيت أنني لم أكن هنا .

انتهى ، ولم يكن يود الانتهاء . ولكن رائحة العشاء تشابكت مع رائحة العود ، وفي هذه الحالة ، حسب العرف المتبع ، يجب التوقف عن الكلام والاهتمام بلقيمات غير معدودة إلى أن يفرغ الطعام كله!! .

كان يوجه موزعين صحون العشاء ، وينثر على عجل الماء والمشروبات الغازية . علمت حينها أنه هو من تولى ترتيب كله هذا . يرتدي نظارة كبيرة الإطار ، حالق لشعيرات الزائدة فوق خديه ، فهي على مشارف الظهور من جديد ، لذلك شكلها واضح وفارق في بشرة ذلك الشاب أسمر اللون . العشاء كان لذيذا . والناس على الصحن أهواء ومشارب ، فنوع رمى شماغه وشمر ساعديه وأكل بنهم شديد جدا ، ونوع تفرغ للحديث عن أبو معاذ والثناء عليه ، ونوع أخر يصح تسميته بـ (أطرش في الزفة) وفي رواية أخرى (لا معنا ولا مع القوم) وهي الأرجح كما قال الإمام البحبحاني!! .

- القصة عادية يا أخوان ، أنا حجيت هذا العام بلا تصريح ، وعند نقطة التفتيش تبسم العسكري وهو يناظر فينا وقال : سبحان الله إلي ما عندهم تصاريح يبين عليهم ، ثم أذن لنا بالدخول .. الموضوع عادي ، بس على شأنه أبو معاذ صار للموضوع وضعه الخاص

- يعني أنت تشبه نفسك بالشيخ ، يا أخي والله أنا عاشرته ورأيته مخلص في عمله نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدا

- إيه .. الله ييسر !

أعجبني ذلك الصوت (المتمرد) على الطرح السائد ونحن نتناول الطعام ؛ كونه تخلى عن تقديس الأشخاص وناقش الأمر بموضوعية مع احترامه لقدر الشخص . وددت دعم رأيه ، ولكني تريثت ؛ كون شخصيتي كما يصفها المقربين مني بأنها صداميه ، أي سأتحول من المكنى بأبي الدرداء ، اللطيف الذي جاء إلى مجالس الخير والصلاح حبا فيها كما يقولون ، إلى مفاصل ومجادل لا يرضى بالهزيمة حتى لو خسر كل من حوله! . لذلك فضلت الصمت ، والصمت حكمة .. ولكن ليس دائما طبعا!! .

ونحن عائدين إلى شارع التحلية ، حيث اصطحبني أبو خباب من هناك . ساد الصمت غير قليل ، وكأن كلانا يتحاشى الحديث عما جرى . ولكن سرعان ما كسر أبو خباب صمته بقوله ..

- ها .. وش رأيك بالشباب؟! هذي طلعتنا الأسبوعية من يوم كنا في المتوسطة ، شباب خيّر .. يجمعهم الحب في الله

- طيب ، ما قلت لي مين هو رئيسكم؟!

- قصدك أميرنا .. الله يجراك خير


- المهم .. مين؟!

- الشيخ أبو معاذ ، وهو مدرس ، وله مكتبة يديرها من حوالي خمسة عشر سنة في حي السويدي

- أممم .. المهم ، أبيكم الأسبوع الجاي تنظمون لي محاضرة في نفس الاستراحة عندي لكم موضوع خطير بالمرة ..

- مشاء الله يا أبو الدرداء ، وش عنه؟ أفضل يكون عن حياتك في (الجاهلية) أيام المعاصي والفسق والفجور ، حتى نأخذ العظة والعبرة .. ولا؟

- لا عندي لك موضوع أخطر ..

- وشو؟!

- لمن كان له عقل ، وقفة مع الحكاواتي أبو معاذ!!

وأطلقتُ ضحكة طويلة بأعلى صوتي وأنا أصفق كفا بكف . استرقت النظر فإذا أبو الخباب يبتسم ويتمتم : الله يقطع إبليسك يا شيخ!! . قبل أن أغلق باب السيارة سألته ..

- أقولك ، وش أسم صاحبكم ألي كان يناقش على السفرة ويقول القصة عادية؟!

- تقصد الفاروق ، هذا خريج أًصول دين ومقدم على دراسات عليا .. ليه تسأل؟!

- سلم لي عليه ، وعسى الله أن يفرق به الحق عن الباطل!!

ثم أغلقت الباب ، ورائحة الكابتشينو المنبعثة من مقهى خان الخليلي تجذبني إليها وتراودني عن نفسي وتنادي (هيت لك) فلبيت النداء دون أي ممانعة تذكر! .

الجمعة
21/12/1429هـ
19/12/2008م

عبدالله الدحيلان

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : خفايف | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

17 تعليق على “حكاية .. حـاج بلا تـصـريح ||الجزء الثاني||”

  1. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته اخوي عبدالله

    بصراحة استمتعت بالقصة الى كتبتها لكن للاسف مالقيت الجزء الثاني

    اسلووووب هزلي راقي بصراحه

    تحياتي العطره،،،،

  2. الان ظهر لي الجزءالثاني

    تحياتي

  3. baderjaw

    حياك الله هنا ، حيث أنت ، في الجزء الثاني من الحكاية!

    دمت بخير ..

  4. إذا قال الكابتشينو هيت لك فلن يقد القميص لا من قبل و لا من دبر :P
    أعجبني النص معنى و مبنى .

    دمت بخير أخي الكريم.

  5. نص ساخر

    اسلوبك جذاب يغري بالقراءة حتى النهاية

    رمزية مؤكدة بين الاسطر

    شكرا لك

  6. Ophelia

    حمد لله أني في السليم يعني؟!

    شاكر ومقدر لك مرورك ..

  7. المها

    أمل أن أكون وفقت فيما كتبت

    دمت بخير ..

  8. السلام عليكم

    اخي عبدالله ……. كل نص او عبارة تخرج من فم صاحبها لها مغزى او مراد يريد الكاتب توصيلها للقارىء وكذلك هدف معين

    ولاعبرة لاي مقال او حكاية الا اذا كان هناك هدف ,,,وينبغي ان تكون الحكاية صادرة من واقع مشاهد وليس متخيل خصوصا اذا كانت تمس طائفة معينة,,,,,لان قلب الصورة وتخيل مشاهد غير واقعية قد يشكل صورة سيئة او ناقصة اوهدامة لمجتمع ما……..

    تحياتي…….

  9. إبراهيم

    في البداية شكرا على هذه الخطبة الصماء وعلى الكلمات (الفضفاضة) والحديث العام ولي عنق النص عليا ليؤكد ما في ذهنك من أن الحكاية ذم في المطاوعة!!

    أولا أعلم أنه ليس ذنب الكاتب إن كان القارئ جاهلا وجل همه تصيد الأخطاء! ومن خلال نقاشي المباشر معك أجدك لم تفهم القصة ..

    وهنا سؤال أود أن تجيب عليه ، مالذي أغضبك من الحكاية بالنص وهو غير قابل للحدوث ، هل هو قيام طلاب أحبوا شيخهم وذهابهم لسلام عليه وهو القادم من السفر؟! أم استماعهم لحكايته عندما ذهب الحج ومع مجموعة من طلبة العلم والعلماء؟! أم لأنهم تناولوا طعام العشاء؟!!!

    أنتظر إجابتك ..

    أيضا لا يحق لك محاكمتي محاكمة اخلاقية ، وإلا قلي بربك - وأنا الذي أعرفك شخصيا - هل أنت أب ولديك طفلة وأتيت تمسح عنها الحزن كما طرحت ذلك في إدراج الأخير في مدونك؟!

    لما تعطي لنفسك الضوء الأخضر لتقل لناس أفعلوا وأنت لا تفعل {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم}؟!

    نصيحة عابره//

    عندما تقرأ أي نص تجريد من (التراكمات) التي في عقلك لتكن منصفا .. وشكرا

  10. اخي العزيز

    1/ انا لااقصد انك تذم المطاوعة, وأربأ بك ان تكون من هولاء

    2/ ومن قال لك اني حاكمتك محاكمة اخلاقية , لاوالله , فكل انسان له تصوره ومشاهدته التي يتبناها مالم تكن خارجة عن الثوابت الشرعية والعرف المجتمعي

    3/ بالنسبة للقصة التي ذكرتها في مدونتي , فهي قصة لاتنتمي الى طائفة معينة ولاترمي الى خلق فكرة عن مجتمع ما انما هي مشهد انساني اجتماعي عاطفي

    4/ ان لا اتصيد الاخطاء ابدا , وانما لكل وجهة نظر ورأي ليس بالضرورة ان يكون صوابا
    وكل نعرض للخطأ ان وانت والجميع

    5/ الحديث في بعض القضايا قد يولد حساسية لدى البعض, لاتفهم من كلمة( الحساسية) انه لايقبل الطرح ابدا , ولكن لقربي من مجتمع المطاوعة لم ارى ماذكرته او قريب من ذلك

    6/ لنكن دائما منصفين ونفهم وجهات النظر المختلفة

    7/ لانعطي دائما النص اكبر من حجمه, وانما نأخذه من باب الادب مالم يتعدى الكاتب المحظور

    8/ اما بالنسبة للتراكمات فأنا اعي ماتقول جيدا, وليس هناك تراكمات بقدر ماهو وجهة نظر, وقد قرات من المقالات والروايات الكثير باختلاف انواعها وكاتبيها

    واخيرا…. الاختلاف لايفسد ود القضية وشهادتي بانك كاتب لك مستبقل واعد بأذن الله لنصرة قضايا الامة واهلها

    وتقبل تحياتي وتقبل وجهات النظر المختلفة

    وبالاخير نبقى حبايب

  11. ابراهيم

    سالفة حبايب ذي منتين منها ، والود باق رغم الاختلاف الذي هو سنة بشرية

    تعريج بسيط على النقطة الخامسة :

    “الحديث في بعض القضايا قد يولد حساسية لدى البعض, لاتفهم من كلمة( الحساسية) انه لايقبل الطرح ابدا , ولكن لقربي من مجتمع المطاوعة لم ارى ماذكرته او قريب من ذلك”

    = أزعم أنني قريب منهم فترة زمينة طويلة كانت ولا تزال ، هذه واحده ، الثانية مالذي ذكرته وهو غير حقيقي ولا يحدث في مثل هذه الاجتماعات؟! وهذا هو سؤالي في البداية الذي لم تجيب عليه ، هل السلام على شيخهم ام الاستماع له .. ام ماذا بضط؟! حدد لي المشكلة لأفهمك أكثر .

    دمت بخير ..

  12. اسلوب مشوق …. استمتعت بالقراءة الحكاية …وقراءة الردود ..*_^

    كل التحايا

  13. أسـلـوب رآئـ ع فـي طـرحـك

    وآقـ ع حـيـآتـنـاا نـ حـآول تـ غـيير بـ عـضهاا

    :

    يـ عـطيك آلـ عـآفيه

    أختك

    NdOo

  14. قرأت الجزء الأول

    ثم الجزء الثاني

    سعدت بقراءة كلا النصين

    يحق لك كتابة ماتريد وفق أي شخصية

    تحب إدراج فيها ماتريد . ما يهم هو إيصال الفكرة

    ابقى هكذا .

    دمتم ..

  15. تغريد

    حياك الله ، وأتمنى أن تكون الحكاية حازت على رضاك

    دمت بحفظ الله ورعايته ..

  16. أسطورة أنا (NdOo)

    جميل حضورك وقرأتك لحكاية هذا الحاج الذي حج كغيره بلا تصريح!

  17. ميقات

    حييت أيها العزيز الغالي

    بالطبع ،

    يحق لك وأنت تكتب قصتك أن تكتب ما تريد واللوم يقع على المتلقي وليس على الكتاب

    دمت بخير ..



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر