في وجدان القرية
كتبهاعبدالله الدحيلان ، في 16 أكتوبر 2008 الساعة: 22:05 م

قدومُهم يحدثُ زلزالا في تلك البقعة الصغيرة من الكرة الأرضية ! . الكل يخرج ليرحب بهم ، رجالا ونساء ، شيوخا وصغارا .. الكل يطمعًُ في أعطية ٍ يرتكزُ عليها . فوالدها لا يزورنا إلا وينثر المال على جانبي الطريق . يغرسُ في يد كل واحدٍ منا جنيها ذهبيا لا يساوي مثقال ذرة من تركته الضخمة ، بينما يعد مجرد النظر إليه في قريتنا انجازاً .. فكيف الظفر به ؟! .
النساء يزغردن منتشيات فرحا ، وتتحلق مجموعة صغيرة من الصبايا ليرقصن بعيدا عن أعين الرجال الغرباء . أما الرجال ، فيطلقون الأعيرة النارية بكثافة بالغة .. ويستعرضون مهاراتهم الحربية من خلال رقصات شعبية تنبض بالفحولة ! .
سيارتهم الفارهة هي الوحيدة التي تمر من هنا . تشق الأتربة وتثير الغبار ، فتخلف وراءها عاصفة رملية تعكر ، للحظات ، صفو تلك السماء النقية ! .
قصرهم الكبير ، يقع هناك ، في طرف القرية . يمثل هذا القصر لأهالي القرية دنيا العجائب ، تحاكُ حوله القصص والروايات . فيقال : إن هناك بحيرة صغيرة يقصدها الهرم فيعود شابا فتيا .. لذلك نجدهم يودعوننا كل عام ٍ ووجههم نضرة محمرة كأنها التفاح ! .
ويقال أيضا : إن سيارتهم الحديدية التي يستقلونها ما إن تغيب الشمس يلتفون حولها لتحكي لهم أجمل الحكايات في جلسة سمر لا تنتهي إلا بطلوع الشمس مرة أخرى ! .
إسرائيليات كثيرة تقال عن هذا القصر وما يدور فيه ، لا تصدق ولا تكذب .. ولكن يستأنس بها ! .
أعدُ الأيامَ بشغفٍ حتى تأتي كل عام وأملأ عيني منها . جميلة وصفٌ أختصر به كل المعاني التي قيلت في الحب منذ أن عشق العشاق ، وهام الهائمين . يا لها من نسمة تطير فتحلق خلفها الأعين .. تتبعها ، تراقبها ، تتأملها حيث لا مثيلَ لها في الدنيا ! .
أبيض من الحليب ، وأنعم من الزبد ، ولها همسٌ كأنه عزف ناي ٍ في وادي ٍ عميق يرتد صداه فتتكسر من أجله ضلوع الفؤاد . وحين تضحك .. يالله ! كأن الشمس أشرقت ؟! أم أن الأرض اهتزت وربت ؟! . قطعتي خوخ ٍ ممزوجة بالحمرة تنفرج قليلا فيلمع عقد من اللؤلؤ المكنون .
هي ملاك ! أجمل ما رأيت في حياتي . اسم على مسمى ، ملاك ! .
لا تهبط ُ على أرضِ ٍ إلا هبط الخير معها ، تشعر بأنها ليست غنية متغطرسة بالمال وما يجلب معه من جاه ٍ وسلطة . هي بسيطة ، تبتسم حينما يبتسم الآخرون ، وتغضب .. وتكاد تدك الأرض دكا ، وتتحول من حمل ٍ وديع إلى ذئب مفترس حينما ترى طفلاً يبكي أو يتضور جوعاً . فلا تقاوم ، تذرف دمعة نقية ، يشبه لناظر أنها قطرة سقطت فجأة من جوف السماء .
وأنا صغير ، كنت أجلس بجوارها كلما رأيتها ، استرق بأنفي رائحتها الزكية وأتفحص بعين تلك الملابس النظيفة المليئة بالخرز الملون ، الذي يبرق فيصدر ألوانا مدهشة . لا أجلس بجوارها لأنني غني مثلها ، بل هذا قدري . فأمي خادمة مطيعة وأمينة ، لذلك فهي تخدم في بيت هذا الرجل منذ أن حط رحاله هنا قبل حوالي ثلاثين عاما.
أدخلُ ذلك القصر الكبير ، وأتجول فيه بقدمين نحيلتين كأنهم سيقان فرخ وليد . رأيت تلك البحيرة التي يكثر الناس الحديث عنها حتى يومنا هذا . فوجدت الورود الملونة مرمية بشكل عشوائي ومنتشرة في أرجاء تلك البحيرة ، التي تصب فيها نافورة ذهبية ماء زلال يشبه خريره انسكاب القهوة في الفنجان .. تذوقه فكأنه الشهد ! .
لم يصدر ذلك الثري بعد أوامره بأن لا أدخل قصره مرة أخرى ، معللا ذلك بأني كبرت وتحركاتي في القصر باتت تريبه ! . هكذا قالها لوالدتي مواريا حتى لا تصطحبني معها إلى هناك مرة أخرى . لم يشأ أن يقول لها أنه رآني أمسك بيد ابنته مغادرين القصر في وقت متأخر من الليل . حيث ذهبنا إلى تلك العرافة المنبوذة التي تقطن كوخا في أعلى الجبل . ذهبنا إلى هناك لنسألها عن حقيقة ما يقال في حق ذلك النهر المتطرف الذي يقع بالقرب من القصر الكبير الذي تقطنه ملاك وتطل عليه من غرفتها مباشرة . حيث تعلمنا منذ الصغر أن من يسبح في ذلك النهر أو حتى يقترب منه تبتلعه الجن ويموت سريعا . أكدت لنا هذه المعلومة ، وطالبتنا ألا نتهور فحياتنا كما رأت بعد أن كشفت لنا (الودع) هي حياة سعيدة تنتهي بعش صغير لا يسكنه إلا أنا وملاك .. ! .
لا أعلم لماذا نظر كل واحد منا إلى الآخر وابتسم . هل هي تفكر بما أفكر به ؟! هل تقبل أن تتزوج صعلوكا مثلي يأكل يوما ويصوم يوما آخر ؟! وهل سترضى أن تعيش في منزل متهالك أكل الدهر عليه وشرب ؟! وإن قبلت .. هل سيقبل والدها أن يكون صهره فلاحا وأمه خادمة تحت قدميه ؟! .
ودعتها تلك الليلة لتنام في غرفتها التي لو أقيم فيها سباق خيل ٍ لحوته . وذهبت أنا إلى المطبخ لأنام على سجادة افترشها كل ليلة حتى لا يأكل جسدي ذلك البلاط البارد جدا . الهواجس تئن في رأسي حول ما قالته العرافة ، فأما النهر فلا شأن لنا به ولا بجنه فلا أنا ولا ملاك نجيد السباحة ، هكذا أخبرتني ، ما يهم هو الزواج . لم أستطع الاحتمال فضاقت نفسي بي وقمت أتجول في ذلك الميدان الكبير الذي يتوسط القصر . فلا أحد هنا ، الكل نيام ، والهمس يسمع فكيف بصوت (قبقابي) وهو يرتطم بالدرج الطويل الذي ينتهي إلى الطابق العلوي حيث غرفة ملاك .
فتحت الباب قليلاً ، فوجدتها تغط في نوم عميق ، فلحافها الظلام والقمر يتسلل من شرفتها كمصباح يبدد خوفها الدائم من العتمة ! . أطلتُ النظر .. وكيف لي أن أشبع وأرتوي وعروس البحر مسجاة أمامي ؟! .
أخذت نفسا عميقا . أغلقت الباب وهرعت مسرعا إلى مطبخي حتى لا يراني أحد ، حيث القدور والأواني والملاعق وسجادتي اليتيمة ، وكم هو منظر لا يستحق التأمل والتفحص ! .
- هل سألحق بها .. ؟!
منذ أن سمعتُ بالخبر وأنا في حالة هستيرية ، ذهبت مهرولا حافي القدمين . أريد اللحاق بها ، بحبيبتي ، أردت أن أكون أول الواصلين . عندما وصلت ، زاحمت ذلك الجمع الغفير من الناس ، فوضى عارمة واختناق يحدث كل سنة .
ها هي سيارتهم الرمادية تأتي مسرعة كسرعة البرق ، وما أن تتوسط الطريق حتى تبدو كعجوز تمشي ببطء ، ليتسنى للجميع أخذ الأعطية .. خاصة الفقراء والمحتاجين ! .
تتلفت وعيونها تكاد أن تطير من مقلتيها . إنها تبحث عني ، تريدني ، وأنا كذلك كنت ألوي عنقي لياً حتى تلتقي العيون فتحتضن بعضها البعض . صعدتُ ذلك التل الصغير ، أشرت بيدي فأشارت بيدها ، تبسمتْ والسعادة تملأ ملامحها ، كل شيء فيها يغرد طربا ويفضح مشاعر شوق لا تقال ولكنها تلج إلى القلب مباشرة وتنقش بسكين حادة تقطر دما كلمة أحبك .
ما أن رأيتها حتى شعرت أن دلوا من الماء البارد صب علي . فتور ، راحة نفسية وبدنية . أحسست أن مجهودي لم يضع سدى ، انتظاري عام كامل أتى أوكله ، فكانت الثمرة ، كما هي كلما رأيتها ، ناضجة تسر الناظرين .
شدها من كتفها بقوة ، و لوح بيده لسائق أن يمشي بسرعة .. ثم رمقني بنظرة استحقار وراح يتمتم بكلمات لم أسمعها ! . رأيت في عينيها انكسار ينبأ بنهاية العالم . طارت نشوة الفرحة وحل كابوس لعين . نزلت كالمجنون ، انغمست بين جموع الناس ، متسائلا (من هذا الرجل ؟!) لم يجبني أحد ، فطائفة فرحة بما أتاهم من فضله وطائفة حزينة تكيل اللعنات والشتائم لذلك المتعالي الوقح ، بذيء اللسان ! .
صرخت بصوت عال ٍ (أجيبوني .. من هذا الرجل ؟!) وحدها أمي ، من أين ظهرت ، لم أرها ، فكأنها خرجت من باطن الأرض . أمسكتني من كتفي بين تلاطم الجموع ، ثم هزتني بقوة ووجهها صامت جامد لا حراك فيه ..
- إنه زوجها .. زوجها يا ولدي !!
عبدالله الدحيلان
(سفير الكتابة)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : من وحي الإبداع | السمات:من وحي الإبداع
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























أكتوبر 17th, 2008 at 17 أكتوبر 2008 8:15 م
السلام عليكم
القاص عبدالله الدحيلان قاص يملك أدوات القصة بقوة، ويختار عناوينه وموضوعاته بتركيز شديد..
يحتاج فقط إلى تعمق وإلى المزيد من القراءات الجادة.. لكي يخطو بثقة إلى عالم القصة..
تمنياتي لك بالتوفيق وسأعود لقراءة القصة والتعليق عليها..
أكتوبر 17th, 2008 at 17 أكتوبر 2008 11:58 م
أهلا وسهلا بجعفر الجشي ..
ويسعدني ما تفضلت به وفي انتظار رأيك حول قصة (في وجدان القرية)
أكتوبر 18th, 2008 at 18 أكتوبر 2008 1:24 ص
أنجدوني
http://hannooo.maktoobblog.com/1379359/يا_أحقر_من_في_جِنسِ_البَشَر_..
أكتوبر 18th, 2008 at 18 أكتوبر 2008 11:11 ص
عبدالله قصة جميلة معبرة .. ذهبت بها .. معكـ … الى هناكـ
….
تخيلت قنديل وورقة .. ورأس مسند على كف … لمن كتب مثل هذه الأجواء
..
قراءتي كانت سريعة … لي عودة هنا للاستزادة … منكم
..
هل القصة التي شابهت ما كتبته منشورة هنا !!
تقبل مروري
أكتوبر 18th, 2008 at 18 أكتوبر 2008 3:41 م
أخي /
ع الدحيلان
نصك هنا أخذني مساحات بعيدة
حيث القرية .. لا مكان لأبنها إلا القرية كما يبدو من خلال الكثير من الحياة اليومية
إلا من اطلق ساقيه للحدود وخرج بعيداً .
شدني وصفك لملاك بطلة القصة ، أم أقول ابن القرية بطل القصة
لا اعتقد ايجاد دور البطولة فيه ، وحدها ملاك من لعبت هنا ، ووحده
ابن القرية من يبكي كثيراً هنا في نصك .
دمت
أكتوبر 18th, 2008 at 18 أكتوبر 2008 10:27 م
حنين ..
سأكون هناك للقيام بالإسعافات الأولية إن كانت تجدي في حالتك مع خائن وكذاب وذئب مقنع بقناع البشر !
أكتوبر 18th, 2008 at 18 أكتوبر 2008 10:30 م
بعثرة ..
قصتي التي أشرت إليها في مدونتك موجودة هنا تحت تصنيف (من وحي الإبداع)
دمت بخير ..
أكتوبر 18th, 2008 at 18 أكتوبر 2008 10:35 م
ميقات ..
سعيد أنني أخذتك إلى هناك ، حيث الصفاء والطهر والنبل
هناك حيث كل شيء يحدث بعفوية .. وفي قمة الاحترام والخجل .
بالفعل ، ملاك هي بطلة القصة الحقيقية !
دمت بحفظ الله ورعايته ..
أكتوبر 19th, 2008 at 19 أكتوبر 2008 6:16 م
اخي الكريم
مساء سعيد
كن جميلا ترى كل الاشياء جميلة
شكرا لمرورك البهي
للعلم فقط هي مكتوبة باللهجة العامية الاردنية وليست بالفصحى
دمت بخير
أكتوبر 19th, 2008 at 19 أكتوبر 2008 6:35 م
اخي عبداللهـ
قرأت القصه كلمه كلمه
حرف بحرف
جرني وشدني ماتحويه
دخلت بين ساحات الحب والعشق الخجول
الممزوج بالطاهره
لكن تكسرت النافذه الموصوده
عندما انكسر القلبين محدث ضجه واهات
واريقا من الدموع
سفير الكتابه
همسه…
كتبت فوصل للقلب قبل العين.
فالانتظار هو مانكرهه…فكيف عندما تملك شىء وتجعله كل حياتك
وتفكيرك فتجده مع الايام ملك احد غيرك
اعذرني ع الاطاله لكن قصتك جوهره
اختك سمفونية الحب
زورني في مدونتي فانه تحفل بوجودك
تحياتي بالورد
أكتوبر 19th, 2008 at 19 أكتوبر 2008 10:01 م
ركب الفرسان ..
الأجمل والأبهى هو هذا الحضور .
شكرا جزيلا لك على الملاحظة بخصوص القصيدة المنشورة في مدونتك .
أكتوبر 19th, 2008 at 19 أكتوبر 2008 10:18 م
سمفونية ..
الانتظار لا يصبح مكروها عند العشاق لأنه حيلتهم الوحيدة ، فالحبيب بالنسبة إليهم الحياة لذلك يحق لهم انتظار هذا الزائر لعيشوا سعداء لأيام أو للحظات !
سعيد بمرروك
أكتوبر 24th, 2008 at 24 أكتوبر 2008 11:50 ص
http://jwaher.maktoobblog.com/
دعوة لقراءة أصوات 2 عبدالله يشرفني مروركـ
وأتمنى ان تكون مشكلة مدونتي قد انتهت مع تغيير العنوان
أكتوبر 24th, 2008 at 24 أكتوبر 2008 8:42 م
مليئة المساحة هنا بالكثير من القصص ونماذج الحب ،،،
ويبقى الحب الخارج من باطن الأرض ،، أصدق قصة حب ،،،
///
استمتعت كثيراً هنا ،، وتأملت أكثر ،،
كل الشكر أستاذي
أكتوبر 26th, 2008 at 26 أكتوبر 2008 8:04 م
سأكون هناك يا بعثرة ..
مهما تغيرت عناوينك سوف أتتبع إبداعك!
دمت بخير ..
أكتوبر 26th, 2008 at 26 أكتوبر 2008 8:24 م
ملاك ..
أصدق الحب ،
هو الحب الطاهر الذي نبت في أرض طيبة!
يناير 26th, 2009 at 26 يناير 2009 7:32 م
لآ اعـــــــــــلم…
لكن متصفح استوقفني كثيـــــرا
هنــــــا تميز أعجبني
الى الآمــــــام دومــــــــــــــــــــــــــــا,,,,,
مارس 13th, 2009 at 13 مارس 2009 10:38 م
شكرا جزيلا على تشريفك لي هنا ،،
دمت بحفظ الله ورعايته