عندما تساهم الرياضة في التعصب والجهل الاجتماعي
كتبهاعبدالله الدحيلان ، في 9 أكتوبر 2008 الساعة: 21:49 م

نشأت كرة القدم قبل ما يزيد عن ألفين وخمس مائة عام كوسيلة من وسائل الترفيه والتسلية ، وسرعان ما تطورت وأصبحت أداة من أدوات التخاطب الحضاري بين الأمم عبر التنافس في المحافل الدولية التي تجمع خليطا من الأجناس والأعراق والثقافات . لهذا أولت الدول اهتماما بالغا بهذه اللعبة وذلك عبر الدعم الرسمي من خلال وزارات رياضية أو اتحادات تعنى بشؤون الرياضة بشكل عام وعلى رأسها كرة القدم . أيضا وفرت دعما إعلاميا مميزا عبر وزارات الإعلام ثم دخل القطاع الخاص مستثمرا من خلال القنوات الفضائية المتخصصة أو الصحف اليومية ، ثم انتقل هذا الهوس إلى الجمهور لينشأ مواقع ومنتديات حوارية في الشبكة العالمية لينشر الأخبار ويتابع ويحلل المستجدات .
بهذه الصورة المرسومة أمامكم ، لا يستطيع أحد ، كائن من كان ، أن يحجم من قدر هذه اللعبة ودورها أو يقلل من شأن القائمين عليها أو المتنافسين في ميدانها ؛ لأنها باتت هوية ورسالة مختصرة تعرف بالدول التي تنتمي إليها ، فمثلا : قليل منا يعلم بأن (البرازيل) هي من أكبر الدول المصدرة للبُن ، ولكن الكثير والكثير يحفظون عن ظهر قلب السنوات التي حققت فيها البرازيل كأس العالم ! .
لذلك كلما تطورت الكرة المحلية استفاد من هذا التطور المنتخب الوطني الممثل لدولة في المسابقات الخارجية ، وأصبحت صورة الوطن صورة مشرقة لما يظهر من تنافس محموم في الملعب يبرز من خلاله التحلي بالأدب والروح الرياضية واحترام الخصم وجميع الخصال الحسنة التي تبرز هويتك وثقافتك لتنقل عبر الشاشة ليشاهدها القاصي والداني .
وكما يحدث عندما تتطور كرة القدم وتنعكس نتيجتها على صورتك لدى المتلقي الذي قد يكون خلق في ذهنه صورة سلبية عنك وعن ثقافتك ، فأتت أنت تخاطبه على الهواء مباشرة وتصلح جزء يسيرا من الصورة المشوهة .. يحدث العكس تماما مع تخلف كرة القدم وانحطاط أخلاق مريديها وقولبت هذه اللعبة في قوالب تفقد اللعبة هدفها التنشيطي والترفيه ، ويتم تفريغها من دورها الذي قد يسخر لبث رسائل إيجابية للمجتمع ، وطمس أكاذيب رسخت في عقل مخالفيك ، فتتحول كرة القدم إلى وسيلة للفوضى والتخريب والشحناء والبغضاء .
عندما يغضب المرء على تدهور الوعي الرياضي في البلد فإنه ينطلق من غيرته على جزء من أجزاء التدهور الفكري الذي أصبح يغزو أفراد المجتمع ويعزز فيهم مبادئ الجهل والتعصب ، ويبني في عقلهم الباطن خلفية عدوانية تغذي ثقافة الفوضى والتكسير والتخريب والتقاتل والتخاصم لأي سبب ، والعيش وفق مبدأ الانتقام والكيل بمكيالين مليئين بالسب والشتم والقذف ! .
لا يعتقد أحد أنني أهدف من خلال حديثي هذا إلى رسم صورة مثالية تصور حال (المجتمع الرياضي) بأنه نزيه بأكلمة ، أو أسعى لتنزيهه ، هذا غير صحيح . ولكن الهدف هو انتشال ما نستطيع من سلبيات كرة القدم الظاهرة التي لا تنعكس على الرياضة وحدها بل على المجتمع ؛ لأن الرياضة تضم جميع فئات وشرائح المجتمع خاصة الشباب منهم .
لذلك أحداث الفوضى والتخريب التي دارت في أرض معلب الأمير محمد بن فهد في مدينة الدمام بين فريقي الاتفاق والنصر يوم السبت الموافق الخامس من شهر شوال الجاري ، هي أحداث مؤسفة ومؤلمة ؛ كونها تعدت التنافس الشريف إلى أبعد من ذلك وهو النزعة العدوانية والرغبة في تشويه صورة اللعبة الطبيعية الجميلة التي لا تخلوا من بعض الخدوش التي لا تستدعي ولا تبرر هذه الحماقات التي دارت في الملعب وكادت أن تزهق أرواحا بريئة لو لا رحمة الله .
فالمباراة المذكورة مباراة عادية جدا وهي ضمن منافسات دوري المحترفين السعودي في أسبوعه الثالث والذي انطلق هذا الموسم . قبل نهاية المباراة حدث ما يندى له الجبين من صور الجهل والفوضى والهمجية وثقافة التكسير والتخريب من قبل جمهور النصر ، ثم انتقلت العدوى من عامة المشجعين إلى صفوة المشرفين على النادي في المنصة الرئيسية للملعب بعد هدف التعادل لنادي النصر في الرمق الأخير من زمن المباراة ، حيث علا صوت التحقير والسب والشتم وأن ما حدث رغم أنف الجميع ! . وتواصل مسلسل العنف والإرهاب إلى خارج الملعب وكسرت حافلات وضرب بعض المشجعين المسالمين .
حدث كهذا الحدث ، بين سرعة لجوء الناس لإظهار عصبيتهم الجاهلية ونسيان كل القيم الحميدة التي تربيهم عليها المؤسسة الرسمية بمختلف فروعها ، كما كشفت هذه الأحداث النبرة الطبقية التي تشبع منها المجتمع ، خاصة الشباب ، وذلك – مثلا – عبر أصوات (المغالين) في مزايين الإبل وقطيع الداعمين لشاعر القبيلة في البرامج التلفزيونية لأنه شاعر قبيلتهم حتى لو كان شعره رديئا .. وقائمة طويلة ، جاءت كرة القدم لتنضم إليها بالتعصب الممقوت والغوغائية ! .
الأمر يا سادة ، ليس بهذه السهولة كما يتصور من ينظر للحدث بعين واحده ، الموضوع مهم كونه يعزز أنساق عدوانية تعتمد على الرفض وإلغاء الآخرين بالقوة ؛ لأن هذه الأفعال لا تصدر من شخص يمتلك ثقافة عالية تجعله حتى في أصعب الأوقات متمكن من ضبط أعصابه والتصرف بأقل قدر ممكن من العقلانية . وهذه التصرفات التخريبية تدل دلالة واضحة على أن من يقف وراءها شخص غير متحضر فكريا ولازال يعيش تحت مظلة لغة (الغاب) وأن كل النصوص المقدسة التي تربها عليها بالإضافة إلى الأعراف الاجتماعية الجيدة والتي تحثه على احترام الآخرين وأن لا فرق بين أحد إلا بالتقوى وأن وحدة الصف والترابط الاجتماعي أساس البيئة الصالحة .. وغيرها ، كل هذا يندثر لأنه غير متأصل في النفس والعقل ، فهو يحفظ ويردد ولكنه لا يطبق على أرض الواقع وهنا مكمن المشكلة ! .
ونحن لن نحل هذه المصيبة ممتدة الجذور بهذه البساطة ، فكثيرة هي العوامل التي تغذي هذه التصرفات العوجاء وتحث عليها بقصد أو من دون قصد . ولكن المطلوب من المفكرين والمثقفين أن يضموا هذا الحدث ، وغيره ، إلى قائمة التعصب والجهل الاجتماعي ، فيتم تحليله والنظر إلى كيفية تلقي الشاب لثقافة الصورة وثقافة الخطاب وثقافة التعامل مع الواقع ؛ لأن هذه الأمور ليست إلا بذور صغيرة تكبر وتتمدد كدائرة الحجر الذي يلقى في المياه الراكدة فتكون في البداية صغيرة ثم تتسع إلى ما لا نهاية ويصعب السيطرة عليها .
المشهد الرياضي المؤسف الذي عرجت عليه هنا ، لم يكن هدفي من وراءه إدانة أحد أو التحامل عليه عليه أو التشهير به بعينه ، فالجهات الرسمية فصلت في الأمر ووضحت بأن الجاني هو نادي النصر والمجني عليه هو نادي الاتفاق ، ولكن هدفي يتجاوز عرض هذه الحادثة ، وهو تسليط الضوء على جزء بسيط جدا من ظلم والتعدي الواقع والمتفشي في المجتمع الذي يجب أن يفضح ونقول فيه وفي دوافعه الحقيقة ، فهناك احتقان نفسي مختلف الدوافع تجاه أي اختلاف أو أي مظهر من مظاهر الرقي الفكري والثقافي ، لتبقى لغة اليد ومظاهر العنف والعصبية هي السائدة ، وأن القوي قوي بيده وطول لسانه وليس لأنه صاحب حق ! .
همسة في إذن كل رياضي / ليس عيبا أن تشجع فريقك ولكن العيب والسوء كله أن يكون حبك لناديك سببا في تعصبك له وذم بقية المتنافسين معه والدفاع عنه حتى وإن أخطئ ! .
** تمنياتي لنادي الاتفاق وممثل المنطقة الشرقية في دوري المحترفين السعودي كل التوفيق والاستمرار في الهدوء والاتزان ومواصلة الأسلوب الحضاري في الرقي بالوعي الجماهيري كما حدث في الحملة الإعلانية التي سبقت مباراة النصر في الشوارع والميادين العامة .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : ولدت وترعرعت هنا | السمات:ولدت وترعرعت هنا
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























أكتوبر 10th, 2008 at 10 أكتوبر 2008 9:44 م
همسة في إذن كل رياضي / ليس عيبا أن تشجع فريقك ولكن العيب والسوء كله أن يكون حبك لناديك سببا في تعصبك له وذم بقية المتنافسين معه والدفاع عنه حتى وإن أخطئ ! .
همسة جيدة ليتها تصل لعشاق الرياضة ويفهمونهـا..
لأن التعصب أصبح بشكل ليس بنطقي..
شكررااا لك..
أكتوبر 10th, 2008 at 10 أكتوبر 2008 10:10 م
أهلا وسهلا بك قلب المحبة ..
التعصب أصبح غير مقبولا على الاطلاق لأن المنافسة تعدت كلمة منافسة إلى شغب وفوضى .. وأحيان ، جرحى وقتلى !
وكل هذا يوكد وجود خلل في التركيبة الثقافية لما فعل هذه الفعلة .
سعدت بزيارتك الأولى وعلى آمل التواصل المستمر إن شاء الله ..
أكتوبر 11th, 2008 at 11 أكتوبر 2008 7:25 ص
صباحك ابتسامة دون أي تشنج
كل أمر يدخله التعصب يسوقه إلى مسار آخر ..
الاتفاق مسالم .. لكن المؤسف أن يعترض لاعب بعد صافرة الحكم .. الوعي أن تتعامل مع الأمر بعقل دون الانسياق .. وهذا ما أطاح بالاتفاق في رأيي - مع بعدي كل البعد عن الرياضة أو التحليل الرياضي - ..
أكتوبر 12th, 2008 at 12 أكتوبر 2008 9:15 م
حياك محمد ..
الموضوع ليس عن فئة بعينها أو شخص بأسمه ، هي محاولة قراءة النفسية (التخريبة) والغارقة في (الطبقية) الاجتماعية .. والرياضة باتت جزءا منها بسبب البعض كما ذكرت في الأعلى .
لذلك تستطيع اسقاط مافات على من تريد إن كان بالفعل مذنبا
دمت بخير ..
أكتوبر 15th, 2008 at 15 أكتوبر 2008 2:37 م
الكاتب المميز / الأخ عبدالله
حقاً إنه لطرح بغاية الأهمية أن نقف عنده ونتأمل ما آلت إليه الأمور بين صفوف أبناء أمتنا ومجتمعاتنا من أجل لعبة رياضية
وأصبحت مثالاً يحتذى به للتعصب والجهل في الدفاع عنها
ناسين كل ما علّمتهم الحياة أو ما اكتسبوه من المراكز التعليمية أو حتى من الاحتكاك مع ثقافات أخرى
بأن التعامل مع الأخر لا يكون إلا بالمنطق والأدب والوازع الديني ..
والحديث يطول جداً
ولن أتوسع به
…
طرح هام وملفت وعلينا جميعاً الوقوف عنده مطولاً وتناوله من عدة نواحي
,,
خالص التقدير ووافر الاحترام
أكتوبر 16th, 2008 at 16 أكتوبر 2008 10:41 م
مؤسف جدا أن تتحول كرة القدم إلى معقل من معاقل التعصب والجهل الاجتماعي!
شاكر لك مرورك يا جراح الرحيل ..
أكتوبر 18th, 2008 at 18 أكتوبر 2008 6:23 م
التدهور الفكري الذي أصبح يغزو أفراد المجتمع ويعزز فيهم مبادئ الجهل والتعصب ، ويبني في عقلهم الباطن خلفية عدوانية تغذي ثقافة الفوضى والتكسير والتخريب والتقاتل والتخاصم لأي سبب ، والعيش وفق مبدأ الانتقام والكيل بمكيالين مليئين بالسب والشتم والقذف
سلم قلمكـ
بصراحة … أمتعض جدا من التعصب .. وما يسببه
كما أني لست من هواة الرياضة .. فهمومنا … أهم من هذه الملهيات
نصحت بروتوكولات صهيون … ببعض الطرق لألهاء .. الشعوب عن مخططاتهم
وأخشى … أن يتجه هذا التعصب .. لآدام هدم أجتماعية فكرية .. تفرق ولا تجمع
اليوم السعوديين يستنفرون .. الهلال والنصر … أصلح الله الحال
فكرك جميل عبدالله …
أكتوبر 18th, 2008 at 18 أكتوبر 2008 10:45 م
مرحبا بعثرة ..
اللهو والانشغال بالصغائر هو الهدف الذي تسعى من أجله المنظمات والدول من أجل صرف الشعب عن النظر في حقوقه والمطالبة بها ، فيصبح همهم وشغلهم الشاغل الذي يفرغون أنفسهم من أجله هو أمر ثانوي لا يمس جوهر الحياة التي يجب أن يعمرها الإنسان .. خليفة الله في الأرض ! .
كلعبة رة القدم ، نشاط وترفيه ، تطورت بعد مدة وأصبحت صناعة ومع ذلك لازالت في هذه الخانة وأنها مسخرة لخدمة المجتمع . لكن المصيبة أن تتحول هذه اللعبة إلى شغل شاغل وباب مفتوح على مصراعية للهدم الفكري والأخلاقي والعقدي في بعض الأحيان كما يحدث مع الأطفال عندما يرون اللاعب الأجبني يلبس الصليب .
إذن ، لتبقى كرة القدم تلك اللعبة الجميلة المسلية السامية بالأخلاق والروح الرياضية في المحافل والميدان العامة ، دون أن نعطيها أكبر من حجمها في الوقت والاهتمام .
دمت متألقا ..