في الظلام الدامس تختفي الأشياء
كتبهاعبدالله الدحيلان ، في 13 يوليو 2008 الساعة: 21:54 م

لا ترى شيئا ، وإن رأيت لا تستطيع أن تحدد ما هو . كل الأشياء تشابهت . لم يعد هنالك فرق ، ولماذا الانشغال بالفروق .. وهل يجدي ؟ فهل ستحيي ميتا أم ستعود المرآة المكسورة كما كانت؟ . لن يعود شيئا أبدا ، فكل ما مضى .. مضى ، وليس هناك مجال لاسترجاعه والمحافظة عليه .
في الظلام الدامس تختفي الأشياء . لا نرى إلا سوادا .. وكم يغرينا السواد . فهو يحجبنا عن أنظار الآخرين ، يحول بيننا وبينهم ، فلا هم يعلمون ما بنا ، ولا نحن نود معرفة شيء عنهم . إنه الظلام ، نعمة نتذكرها .. متى احتجنا لها .
الأيام تتلاحق وهي أسيرة لظلام ، تدفن فيه السر الذي لو قالته لغيره لذاع وانتشر ، فالمفقود غال ٍ لا يعوض ، إنه بالنسبة لها الحياة .. فكيف بعد فقدانه تصنف من الأحياء ؟! . إنها ميتة تسير على الأرض ، جثة لا روح فيها ، تأكل هما وتشرب غما .
تنظر للمرآة ، عندما تضطر لمواجهتها ، فتجد صورة أخرى لا تعرف صاحبتها ، فمن تكون صاحبة هذه الملامح الشاحبة ، والعينين البارزتين اللاتي يحفهما السواد من الأسفل ، والبثور التي تملء الوجه ، والشعر الذي بانت عليه آثار العفن وقلة الاهتمام ، وذلك الجسم الهزيل الذي ذبلت معالمه وتضاريسه ؟! .
تبعد وجهها عن المرآة ، كي لا ترى الحقيقة ، كي لا ترى نفسها محطمة أكثر مما هي محطمة ، حيث لم تبقى لها فسحة من أمل ، أو بصيص من نور . تلجئ إلى الظلام ، فهو لا يظهر شيئا لناس ، جميعهم ، حتى من يتوشح به ! .
كانت عادتها ، ما أن تدلف إلى غرفتها ، حتى تضيء المصباح ، وتلبس لباس النوم ، الذي يظهر أكثر مما يغطي ، ثم تسدل شعرها على كتفيها ، وتبدأ في تمشيطه ، بعد أن تغرقته بالزيت فيبرق لامعا كلمعة الذهب الأصلي .
تنظر للمرآة غير مبالية بصراخ والشجار الذي تسمعه من غرفة والديها ، فهذا ديدنهم كل يوم . وهل يجوز لها ذلك وهي زهرة لا يجب أن تهمل حتى تبقى متفتحة ونضرة للأبد ! .
تدقق في قسماتها ، فهي درة تنتظر من يخرجها من المحارة ، ويفوز بها . بيضاء كبياض الحليب ، رشيقة كالفراشة ، رموشها طويلة ومفرقه ، أنفها شامخ متغطرس ، فمها صغير ويفاخر ببروزه .
بغنج تنظر لنفسها ، النظرة الأخيرة ، ثم تستلقي على الفراش وتحتضن وسادتها ، وتطلق لعقلها العنان ليخرج خارج أسوار المنزل ، لتشاهد نفسها محاطة بالمعجبين ، وذاك يركع على ركبتيه طالبا ودها ، أما الآخر فهو يقف تحت شرفتها مستجديا نظرة ، و أخر الضحايا شاب انتحر بعد أن رفضت الزواج به ! .
- متى سيأتي اليوم الذي أكون فيه في حضن رجل يستحقني وأستحقه ؟
هكذا تحدث نفسها كل ليلة ، لا يمر يوم إلا وهي غارقة في بحر الخيالات ، فهي تارة تنتظر فارس أحلامها الأبيض ، ذو الخيل الأبيض ، واللباس الأبيض كي يخطفها من القصر ! . وتارة تكره الماضي والانغماس فيه ، فتغازل إثارة الحاضر ، حيث يقف صاحب السيارة الزرقاء ، مرتديا قميصا أحمرا ، وبنطالا أبيضا ، فيلوح لها بيده .. فتأتي مسرعة لتركب السيارة هاربة معه لمكان ما ! .
أحلامها كأحلام أي فتاة في عمرها ، تريد شابا وسيما ثريا تعيش معه قصة حب مثيرة ، ثم تتزوج به في النهاية .
لذلك هي تستعد بشغف للمرحلة الجامعية ، حيث يسمح فيها باختلاط الشبان بالفتيات ، فلعلها هناك تأسر قلب شاب فيقع في غرامها .. فتكون النهاية سعيدة ، ويظفر بالجمال الذي ظلت لسنوات تحافظ عليه ، وتهتم به .
أدبر ذلك الجمال .. وتم وأده ، في ليلة لم يكن ينقصها إلا الحنان والرحمة ، غاب العقل فحلت بدلا منه البهيمية ، كالحيوان المفترس انقض على ذلك الحمل الوديع .. فلقد كان الرجل الوحيد الذي أمنت له ، ولم تحجب نفسها عنه . لم تأثر فيه الدموع الطاهرة البريئة ، ولم يقشعر بدنه عندما شاهد الدماء في كل مكان ، بل قسا وتجبر ، وتعالى وتكبر ، عندما قالت له
- توقف فأنت شارب للخمر يا أبي !!
عبدالله الدحيلان
(سفير الكتابة)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : من وحي الإبداع | السمات:من وحي الإبداع
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























يوليو 14th, 2008 at 14 يوليو 2008 8:35 ص
تقبل مروري
يوليو 14th, 2008 at 14 يوليو 2008 3:41 م
في الظلام الدامس تختفي الاشياء
ويظهر بداخله اشياء مرعبه ثم ينسدل عليها ستار الصباح
ولا كان الليله الماضيه حدث مالم تفكر فيه وهو الغدر بها
شاكرا لك هذه القصه العجيبه والرائعه والمحطمه بصراحه …
تحياتي اليك بالورد المعطر
يوليو 14th, 2008 at 14 يوليو 2008 9:42 م
مرورك مقبول ..
يوليو 14th, 2008 at 14 يوليو 2008 9:52 م
صدقت ِ ..
في الظلام الدامس تختفي الأشياء .. وأهمها العقل !
والمخمور يتحرك ويتصرف بلا عقل ، لذلك يصبح خطرا على أهل بيته . وكم هو محزن ما نسمعه من أخبار التعدي على المحارم بسبب الخمر الذي قال فيه تعالى (إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فأجتنبوه) .
دمت ِ بسلام ..
يوليو 15th, 2008 at 15 يوليو 2008 12:54 م
اخي الكريم عبد الله الدحيلان :
حقيقة قصة لطيفة وجميلة .. وعبرت خير تعبير عن حلم الفتاة الي في مثل سنها … في البداية ظننتك تكتب مقالا او خاطرة …ز ثم جررتني عنوة الى القصة … التي لم اتخيل ان تكون هذه نهايتها … فالقفلة المدهشة القفلة الصدمة … ارتقت بالقصة الى حيث لااستطيع التحديد . هذا هو جزاء كلمة الحق فبقدر مرارتها تكون ردة الفعل … وهكذا كان الحيوان المسمى اب .
اعتذر عن تأخري في الرد عليك وذلك لا نشغالاتي
ارجومنك العذر
دمت بخير
يفرح الفرسان تواصلك
يوليو 15th, 2008 at 15 يوليو 2008 10:33 م
جميلة هذه القراءة التي قدمتها ..
وبالفعل القفلة الصادمة هي أمر طبيعي تجاه موقف مثل هذا الذي ورد في هذه القصة .
سعيد بمرورك ..
يوليو 15th, 2008 at 15 يوليو 2008 11:57 م
قصة أحيكت بشكل جيد
بدءاً بالمقدمة وحتى النهاية !
مؤثرة بـ حق
وواقع مؤسف ..
استاذ | عبدالله
دمت بخير
شموخـ
يوليو 16th, 2008 at 16 يوليو 2008 10:27 م
سعيد بمرورك أختي شموخ ، ورأيك محل تقديري ..
شاكر لك هذا المرور
يوليو 19th, 2008 at 19 يوليو 2008 7:33 ص
هذا هو مروري الأول بمدونتك..لمت نفسي كثيراُ لأني تأخرت كثيراً لأعرفها..رغم إن إسم صاحبها..ليس بغريب..الأخ الكريم..أعجبتني جداً هذه المدونة الراقية والأنيقة جداً
بمواضيعها وإسلوب كتابتها…وسأضيفها لقائمة مدونتي المفضله.
أتمنى لك كل توفيق ونجاح
يوليو 20th, 2008 at 20 يوليو 2008 11:06 ص
لطالما كان الظلام حجابنا ضد أنوار الظلم والقهر
لطالما كان الظلم ستارنا لنخفي ضعفنا وذلنا
ولطالما كان الظلام
محطة استرجاع لذاكرة النهار وصخبه
طاب لي المكوث بين أحرفك
فوجدتني مبحرة بين فكرك الذي يعكس عمق ونور
تحيتي وسيكون لي العديد من المتابعات
يوليو 20th, 2008 at 20 يوليو 2008 10:56 م
الاخت مها ..
حياك الله في مملكتي التي تزهو بزوارها من أمثالك ، ويشرفني أن تكون مدونتي في مفضلتك .
دمت بخير ..
يوليو 20th, 2008 at 20 يوليو 2008 11:14 م
(جراح الرحيل)
يسعدني أن يكون زوار مدونتي بهذا الرقي الفكري والجمال الإبداعي ..
صدقت فيما قلته في الظلام ، فهو محطة يحتاجها كل شخص لاسترجاع حياته .. وخاصة الجانب المر فيها .
دمت بسلام ..
سبتمبر 23rd, 2008 at 23 سبتمبر 2008 4:22 ص
مجهول ،، هي هوية الظلام ،، لذلك نخافه
،، موجعه ،، تلك النهاية
دم بخير ،، أستاذي
سبتمبر 25th, 2008 at 25 سبتمبر 2008 12:00 ص
الحقيقة دائما موجعة يا ملاك !
سبتمبر 26th, 2008 at 26 سبتمبر 2008 3:27 ص
صباح راقي عذب
ومصافحة أولى .. ولي عوده
دمت بخير
أكتوبر 18th, 2008 at 18 أكتوبر 2008 1:03 ص
حياك الله يا شجون ..
وفي انتظار تواصلك