لا يدان المرء بشيءٍ ليس به .. ولا خلق بالناس معصوم الزلل

(الشيخ) بين الاكتتاب والإرهاب .. صوت (الوطنجيين) يعلو الآن !!

كتبهاعبدالله الدحيلان ، في 30 يونيو 2008 الساعة: 21:29 م

 

196ima

-1-

يعتلي المنبر بهدوء والسكينة تملئه ، يتمتم بكلمات لا تسمع .. ولكنها بتأكيد استغفار وتسبيح . (يتنحنح) ثم يبسمل ، ويحمد الله حمدا كثير ..

- إن العطلة الصيفية أيها الأخوة إذا لم تستغل فسد الشباب ، بسبب الفراغ والسفر إلى الخارج ، فيرافقون صحبة سيئة ، قال الشاعر (عن المرء لا تسأل .. البيت)

يجلس ، ثم يقوم مجددا ليلقي ببعض التوجيهات كحث الوالدين على قضاء العطلة مع الأبناء والبنات فيما ينفع ، وحبذا لو تم تزويج الشباب وحفظهم من الضياع ، كما يذكر الجميع بالمراكز الصيفية التي توفر لقاصديها العلم النافع والترفية المباح .. ثم يدعو لإخواننا المستضعفين في الأرض ويرتفع صوته قليلا مصحوبة بنبرة حادة عندما يدعو للمجاهدين الذي يقاتلون لتعلو كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله .. ثم أقيمت الصلاة !! .

-2-

عدت إلى المنزل بعد صلاة الجمعة وما رأيته قبل أمس يثير عاصفة في ذهني . اجتمعت الأسرة حول المائدة وشرعنا نلتهم لقيمات يفصل بينها حديث عابر هنا وهناك .

يطل بوجهة المبتسم دائما ، يفتتح برنامجه بسؤال عن (جواز الاكتتاب في العثيم وبقية الشركات المطروحة للاكتتاب في الأيام القادمة) فيرد عليه (الشيخ) بعد أن هز رأسه قليلا ، وصلح هندامه على عجل وبحركة خاطفة ….

- هل الموضوع مهم إلى هذه الدرجة ليفتتح به المذيع برنامج الإفتاء ؟!

- وما الموضوع الذي ترى أنه يستحق البدء فيه ؟!

- الإرهاب ، قبل يومين قبض على مجموعة منهم مما يعني أن الفكر لا زال متغلغلا لذلك يجب أن نحذر الناس منه

- قد يكون بسبب تكرار الموضوع  ، لذلك أعرض عنه الشيخ

وقبل أن أرد اتصل أحدهم ليداخل عن الهجوم على الهيئة الذي لا ينتهي في صحفنا وكيف يتم تصيد الأخطاء ..

- أرأيت ، هذا موضوع مكرر حد الملل ومع ذلك الشيخ يستنفر ويغضب ليرد وينصح أهل الإعلام بتقوى الله والمخافة منه !!

لم يرد أحد علي ولكن كنت أرى العيون تلمع موافقة .. هكذا فهمت ! .

-3-

همس كثير يدور في المسجد ، الكل في حالة ترقب وتوتر . الشيخ ممتعض والغضب يتطاير من عينيه . يزفر زفرة كبيرة ثم يقول بصوت متهجد (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسب أيدي الناس) فيردد الحاضرين (حسبنا الله ونعم الوكيل .. حسبنا الله ونعم الوكيل) .

- لا يحفى عليكم إخواني بؤرة الفساد التي انطلقت قبل يومين تحت مسمى (معرض الكتاب) وهذا المعرض يحوي كتبا كفرية وإلحادية تحث على الزندقة والفجور والعصيان ، لذلك أهيب بكم بضرورة مقاطعة هذه المعارض أو الذهاب إليها من أجل الإنكار وتحذير الناس من شراء هذه الكتب وتداولها فيما بينهم .. وتذكروا أن ما نحن فيه هو بسبب (سلبيتكم أنتم) فلو رفضتم هذه النوادي وخاطبتم المسئولين لما تطور الأمر إلى ما وصل إليه ، لذلك العمل العمل .. وإياكم والسكوت في وجه الباطل ، وأحب أن أطمئنكم أن مشايخكم لن يسكتوا فأنا ذاهب بعد قليل لاجتماع يحضره كبار المشايخ لتوقيع بيان اعتراض على هذه المهازل .. فالأمر خطير جدا يا إخوان !! .

خارج أسوار المسجد مجموعة صغيرة من الشباب يتحدثون عما سيقومون به يوم غد تجاه الدور التي تنشر الكفر والعهر وخاصة دار الساقي ودار الريس ودار الجمل وما ييسره الله في وجههم من دور تنشر كتبا مخالفة ..

ألقيتُ عليهم التحية ، ردوا علي دون أن ينظروا إلى وجهي .. فعملت أنهم مشغولين بهم كبير ، كبير جدا ! .

-4-

خطيب المسجد يوم الجمعة يخطب عن العطلة الصيفية ، وشيخ الإفتاء في القناة الدينية المشهورة يتحدث عن الدرهم والدينار والعثيم ومعادن !! ومحاضرة طويلة عريضة تحوي كلمات ملتهبة ومهيجة لشباب من أجل حدث ثقافي له حسنات وسيئات .. 

إذن ، من يحدثنا عن الإرهاب ؟!

كنت أسأل نفسي متحيرا عن سبب السكوت أو الانصراف عن هذا الموضوع المهم الذي تزهق بسببه الأرواح في عملية إجرامية لا يرضاها الله ولا رسوله ، ويتم التحدث عن السفر إلى الخارج وعن سوق الأسهم ! .

لا يشك أحدا بأن علماءنا والدعاة الأفاضل يرفضون هذا العمل الإجرامي جملة وتفصيلا ، ولكن أين الدور الحقيقي على أرض الواقع حتى نتلمسه ونشعر بأن هذا الحدث هو حدث الساعة الذي يجب أن نتعاضد جميعا من أجل أن نلغيه من مجتمعنا بالطرق الشرعية والفكرية التي هي كفيلة برد فتنة الشبهات ووأدها في جحرها .

رأينا مجموعة منهم يقومون بدور محمود في الرد على شبه التكفيريين ، ولهم منا جزيل الشكر والعرفان ، ولكن أين الباقين ؟! هل من المقبول أن نكتفي بكلمة بعد الصلاة أو خطبة واحدة ؟! هل حلق اللحاء والسفور وقيادة المرأة لسيارة أهم من نفس تقتل وهي تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ؟! وأهم من اقتصاد وبنية تحتية تدمر بفعل سفهاء عابثين ؟! .. مالكم كيف تحكمون ؟! .


بل بسبب هذا التكاسل انتقلت العدو إلى الشباب ، لذلك لا ترى بينهم من يتحمس ويتصدر الحديث عن هذه الأمر ، بل يفعلون كما يفعل مشايخهم من صرف الموضوع عندما يطرح إلى الحديث عن عذاب القبر والنار والفساد المنتشر في الأسواق والأماكن العامة والمنتديات الثقافية !! . وهذا يوضح لنا لماذا هؤلاء المتدينين يثورون في وجه معارض الكتاب والمناسبات الثقافية ، حيث تضج المساجد والمنابر بالتحذير وشحذ الهمم لتغيير والإنكار .. وهذا ينعكس على هؤلاء المتلقين ، في حين نجد أن قضية الإرهاب لا يتحدث عنها إلا واحد من بين كل عشرة دعاة مشهورين في المنطقة ، لذلك ينعكس هذا على المتدين الشاب فلا تجده متحمسا لعمل مطويات وبرامج كما يفعل ذلك عندما يتحدث مثلا عن الموت وأهوال الآخرة أو يطبع الفتاوى وينشرها في المساجد كما حدث مع معرض الكتاب الأخير الذي أقيم في الرياض ! .

هناك بعض المشايخ لا يريدون فتح هذا الباب عليهم حتى لا يصنفون بأنهم ضد الجهاد كونهم سيجدون أنفسهم يتحدثون بالسوء عن ابن لادن والظواهري .. وهذين الشخصين يمثلون لدى الشباب (المتحمس) رموزا من رموز الجهاد حتى وإن لم يقول هذا صراحة .. لذلك نجدهم يعرضون ليس تأييدا ولكن خوفا من الوقوع في هذا المحظور أو في محظور أشد خطورة من منه وهو (الحل العملي لوقف عدوان الظالمين على الدول الإٍسلامية .. هل هو السلام وطأطأة الرؤوس أو الجهاد المنصوص عليه في الكتاب والسنة ؟!) لذلك يفضل (الشيخ) الصمت والانشغال بمواضيع أخرى ، أو يقوم بإلقاء كلمة توجيهية سريعة تحتوي على كلمات فضفاضة وعامة تؤدي الغرض من جهة وتزيد الغموض من جهة أخرى ! .

لذلك كلي أمل أن أرى الدعاة خاصة – لأن غالبية العلماء يقومون بدورهم – ينبرون لمثل هذه المصائب ويقومون بسد باب الفتن والشبهات .. وهذه مسؤولية ملقية على كاهلهم بما أنهم اختار طريق الدعوة منهج حياة لهم . وفي مقابل الرد على التكفيريين وتحذر الناس من منهجهم لا يضر من دعوة الناس وتوجيههم وإفتائهم بما يشكل عليهم في الحياة ومستجدات الأمور .

بقي أن أقول أن هناك متنطعين في حب الوطن فوق حب الدين (الوطنجيين)!! يبرزون في مثل هذه الأحداث ، ويكون همهم الظهور وتسجيل موقف ، وهؤلاء والعياذ بالله بسبب اندفاعهم ووطنيتهم المتصنعة القائمة على التطبيل والردح والقال والقيل تدهور البلاد كم يدهورها التفجير والتكفير ، كونهم لا ينطلقون من أن هذا العمل حرام وجريمة في حق النفوس البريئة المطمئنة التي هي خليفة الله في الأرض ولكنهم ينظرون للأمر بأنه مساس بالوطن لذلك (ليذهب الجهاد [وليس الإرهاب!] إلى الجحيم فلا جهاد بعد اليوم) وليبقى الوطن شامخا أبيا .. وفوق هام السحب وإن كنت ِ ثرى !! .

قال النبي صلى الله عليه وسلم لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة رواه مسلم

-5-

طنت رسالة في جوالي ، تبعث إلي من أحد قنوات الأخبار وأنا أتجول في أحد مراكز التسوق . تقول الرسالة (عاجل : طالبان الأفغانية تعلن مسئوليتها عن إسقاط طائرة تجسس تابعة لقوات [الاحتلال] في ولاية وردك جنوب العاصمة كابول)

كنت أقرأها بصوت عالي ، سمعني أحدهم كان يقف بالقرب مني ، فنظر إلي مبتسما وقال (الله أكبر) فقابلته بابتسامة عريضة أكبر من ابتسامته ، ثم وضعت الجوال في جيبي وأنا أربت عليه قائلا بصوت مهموس (الله أكبر) !! .

عبدالله الدحيلان

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : ولدت وترعرعت هنا | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

10 تعليق على “(الشيخ) بين الاكتتاب والإرهاب .. صوت (الوطنجيين) يعلو الآن !!”

  1. السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة ,, بارك الله علي طرحك البناء ,,وكلام جميل يثبت حقيقة مايدور في الشارع السعودي للمتلقي .

    وشكرا” علي الزياره .

    تقبل مروري

  2. قد لا يختلف الشارع السعودي بهمومه وقضاياه كثيرا عن الشارع البحريني وما يحدث فيه بين فتره واخرى من تخريب وتكسير بدعوى الجهاد ضد ملك البلاد !!!

    هل لك ان تتخيل ذلك اخي الكريم ؟؟ هناك في بلدنا من يتصيد كما في بلادكم عقول الشباب ويجههم للشغب وارتكاب الكثير من الامور التي ليس لها علاقه لا بالاسلام ولا سنة نبينا محمد عليه افضل الصلاة والسلام

    وعندما تسال هؤلاء الشباب عن مبرراتهم تجدهم متاثرين بالخطاب الديني من دعاتهم الذين تركوا قضايا الامة الهامة والكبيرة وباتوا يتكلمون عن اهمية اشعال وحرق البلاد والتعدي على السياح وتكسير سياراتهم !!!

    ما بال هؤلاء القوم لا يعقلون ؟؟

    المشكلة ان هناك دائما من يستغل طاقة الشباب المندفع والمتحمس

    في النهاية تبقى القضية واحدة والهم واحد فكان الله في عونكم وعوننا واعاننا على الهدي والثبات

  3. الأخ فواز ..

    حياك الله في مدونتي ، وإن شاء الله يكون الموضوع نال على إعجابك .

  4. قضية الإرهاب أختي منى قضية عالمية تشترك فيها جميع الشعوب والحضارات ..

    ولكن هي تكثر لدينا بدافع ديني مدعم بنصوص مقدسة لدينا ، فالجهاد يتم استغلاله في غير طريقة ومنهجه الذي يقر الله ورسوله .. لذلك على الدعاة أن يكثفوا الجهد أكثر مما يبذلونه الآن .

    نسأل الله أن يحمينا ويحمي الجميع من كل مكروه

  5. بارك الله فيك على تلمسك لهموم المجتمع،

    واسمح لي بالحديث عن نقطتين:

    الأولى: أن الحديث عن التفجير وما يحدث هنا بات مكرراً تمله الأسماع، فندوة ونقاش ومحاضرة…إلخ بمضمون واحد وإن اختلف قالب الإلقاء.

    في أحد اللقاءات التلفزيونية يسأل المتصل عن الأسباب التي أوقعت الشباب في التكفير والتفجير، فيوافقه الضيف على أهمية سؤاله، ثم يكمل حديثه عن مظاهر وأمور ثانوية!!

    فنحن بحاجة إلى التجديد في الطرح، والصراحة بشكل أكثر ليكون علاجاً ناجعاً بإذن الله.

    الثانية: في العرف السائد لدى الكثير أن من يمتدح الوطن ويثني على المسؤولين هو امرؤ (وطنجي) يقبض على ذلك الأموال، ويفقد بذلك المصداقية لديهم، وأذكر أن هناك من انتقد الخطيب لأنه دعا للملك باسمه مع أن هذا معروف لدى السلف.

    فلابد أن نوازن بين الثناء والنقد لنخرج بمجتمع متكامل.

    اللهم أطعمنا من جوع وآمنا من خوف.

  6. أولا حمدا على السلامة ، فلك مدة غائب عن المدونة ..

    بخصوص ما تفضلت به ، أعتقد أن التكرار في الأسلوب والطرح يواجه الخطاب الديني بشكل عام ، يفتر في جانب ويشتعل في جاتب آخر .. ولعل الإرهاب صادفه الفتور فبات الحديث عنه ململا كما تفضلت . ومع ذلك هذا لا يضر أن نجد اسلوبا جديدا كون القضية مهمة يجب أن تحل وينظر فيها من كل الجوانب .

    أما العرف السائد فهو يحتاج لدراسة وكشف الأسباب التي اوصلت الفكر المحلي إلى هذا التحليل والنظر إلى الموضوع بأنه نفاق وتزلف إلى السلطة . ومع ذلك هناك (وطنجيين) بغيضيين يبالغبون في حب الوطن فوق حب الدين والنص المقدس .

    دمت بحفظ الله ورعايته ..

  7. مدونة جميلة ومفيدة

    تحياتي

    عبيد خلف العنزي

  8. والاجمل هو مرورك أخ عبيد ..

    شكرا لك

  9. انشغل المواطن العادي في الحياة ،، وتكاثرت عليه القضايا ،، لايختلف ارهاب القنبله ،، عن ارهاب الفقر والبحث عن لقمة العيش ،،

    ربما ،، وقريباً نصاب ،، بما يسمى (( موتت قلب )) ونعيش بلا مبالاة مزمنة ،، وأقل نتاجها جيل يفتقد لمعنى الحياة ،، لايحمل قضية ،، وبلا هوية ..

    ///

    خارج النص

    مدونة راقيه جداً ،،، سعيدة جداً لاني وصلت لها :)

    //

    دم بخير أخي

  10. وأنا سعدت بتواجدك هنا اختي ملاك ..

    هناك تهديد حقيقي للوطن بأن نصل إلى (ثورة الجياع) ونقع في فوضى داخلية ليست في مصلحة أحد .

    والإرهاب أيضا قضية خطيرة لا تقتل النفس بالتدريج كما يحدث في الجوع .. ولكنه يمحي الإنسان من على وجة الأرض في ثانية بسبب قنبلة صنعت لتفعل هذا في بني البشر ! .

    إذن ،

    يجب على قادة المجتمع في الفكر والثقافة التصدي لخطر الإرهاب والجوع .. فكلاهما يصبان في مصلحة الوطن الذي يطنطن الجميع بأنه يحبه ! .

    دمت بخير ..



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر