لا يدان المرء بشيءٍ ليس به .. ولا خلق بالناس معصوم الزلل

السعوديون والحب.. و«العيب»!

كتبهاعبدالله الدحيلان ، في 10 يونيو 2008 الساعة: 20:32 م

أعادني مشهد ذلك الرجل الذي يتمشى ذات مساء على كورنيش الدمام ممسكاً بيد زوجته في حنو غريب ومعهما طفلهما الوحيد إلى مقال قرأته لإحدى الزميلات قبل فترة، حيث تساءلت بمرارة وحسرة : لماذا عاطفة الحبّ في وجدان السعوديين كائن خديج وغريب جدا؟!

فالزوجان اللذان كانا يسيران يداً بيد، تعرضا لنظرات استنكار ممجوجة، وتعليقات لاذعة كان بعضها سخيفاً وغير مهذب على الإطلاق، وبينما كنت أتابعهما بإشفاق، رمقني «أبو العيال» قائلاً: وش فيك؟

هززت رأسي متمتمة: نقدر أنا وأنت ونمشي كذا في يوم من الأيام؟

صرف بصره بعيداً، وتحجج بمتابعة الأولاد، واكتفى بإشعال سيجارة وابتعد قليلاً دون أن ينطق أو يعلق!

***
في جلساتنا العائلية وفي الأفلام القديمة، كنا نرى الحب في العيون قبل أن يصبح معلباً وقالباً من الثلج هذه الأيام، أو مكتوماً في حالة فصام مع الآخر أمام شاشات الفضائيات، كل يغني على ليلاه.. إليسا، نانسي عجرم، أو هيفاء وهبي وغيرهن من أولئك اللواتي تسببن في بلادة ذهنية عربية تكتفي بإمعان النظر في التليفزيون لدرجة ابتلاعه، لم تكن الكلمات البسيطة تعرف خلفيات إهداء وردة لأنها حمراء، أو كلمة اشتياق يتكبر عليها الرجل لأنها قد تطعن في رجولته أو تضعف من وجوده، أو تهز من وضع غترته وعقاله.

مشاهد رجالنا في الأسواق وتصرفات معظمهم الذكورية داخل أسوار المنازل، لا تستوعب لغة التفاهم، فالنهر والزجر هما وسيلة لاغتيال أي عاطفة إنسانية، والصراخ والأمر كفيلان بتحويل الحياة إلى لعبة توجس وريبة وتخويف يجب أن نعترف بصراحة وبوضوح أنها أصبحت تغذي ثقافتنا المحلية.. ثقافة أن كلمة الرجل هي العليا، وأنه هو الذي يجب أن يتقدم زوجته بخطوات حتى في جولة تسوق، وهو الذي يخجل من ذكر اسم «حبيبته وأم عياله» ويكتفي بأن تكون «حُرْمَة» مجهولة الهوية والمصدر!

كثيرون منا ألقوا بالمسؤولية على ثقافتنا الاجتماعية، وحملوها ما لم تتحمله أحداث 11 سبتمبر، وقالوا إن هذه الثقافة ومعها كل خطابنا التربوي والأخلاقي كرست فينا منذ الصغر أن «الحبّ عيب» ولتعزيزه والترهيب منه تم ربطه بالخطيئة الكبرى في قصص ضحايا الاستغلال والعنف والتحرش، متناسين أن هذه الثقافة هي التي عاشت فيها أروع العواطف الإنسانية وأنبلها في جزيرة العرب، منذ الجاهلية وحتى عصور الازدهار الإسلامية، وخلد لنا الشعر العربي حكايا عنتر وعبلة، وجميل بثينة وغيرهم.

مشكلتنا الحقيقية، أن مشاعر الخوف والريبة والشك والحرمان، أصبحت هي البطل الحاضر، دون اعتراف بقيمة الفطرة التي خلقنا الله عليها، وبالتالي نقع ضحية النصب في العواطف والاستغلال في المشاعر.. ولهذا نسمع كثيرا عن تلك القصص المضحكة التي يقلد فيها رجل صوت امرأة، ويمارس الاستدراج و»التسحيب» بكل سهولة وسذاجة، ببعض الصور المزيفة، وتحويل أموال وبطاقات شحن لتسهيل مكالمات آخر الليل، وغيرها من تلك المواقف التي يتم تناقلها على الجوال!

مشكلتنا الرئيسية، أننا بحاجة للكلمة «الحلوة» بدلاً من هذه الطريقة الحادة في التخاطب، وبحاجة للرقة بدلاً من العنف، وبحاجة لاكتشاف أنفسنا من جديد ضمن الأطر المباحة والمقبولة أخلاقياً، بعيداً عن المصادرة والإلغاء والكبت.

مشكلتنا أننا نحتاج أكثر من أي وقت للتصالح مع أنفسنا، ومع عقولنا ومع ذاتنا، دون كل هذه الأسوار العالية التي تفصلنا عن بعضنا البعض، بيوتنا مجرد سجون جميلة، وشوارعنا ملغومة، ومدارسنا مكتومة، واسألوا المعلمين والمعلمات عن القصص المأساوية..

أيها السادة.. لا تسلخونا من إنسانيتنا؟

 

حنان التركي

hturki66@yahoo.com

رابط المقالة

http://www.alyaum.com/issue/article.php?IN=12778&I=590549&G=1

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أعجبتني | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

6 تعليق على “السعوديون والحب.. و«العيب»!”

  1. سررت باني ارد اول واحده على هذا الموضوع

    انا بحكم عيشتي ومانراه بالمجتمع ان بعض الرجال متكتمين

    حتى على زوجاتهم فان لاتعجبني هذه الاشخاص لان يجعلون

    من حياتهم رجوليه طاغيه فهذه مضره جدا على الزوجه لانه

    هي المتضرره الاولى وبذلك ستوثر ايضا على الاطفال فيتبعون اباهم

    ويفكرون بنفس التفكير ويعتبرون ان العواطف عيب وايضا من اثاره السلبيه

    على الزوج لانه سينهار يوما ما .. ويستخدم طرق محرمه ومخزيه لتصريف عواطفه

    شاكرا لك ماكتبته من روائع

  2. الأخت سمفونية ..

    غياب العاطفة والرومنسية جعلت الشاب/الشابة يبحثون عنها خارج أسوار المنزل ، وليس في هذا من الحكمة بشيء

    بل إن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم تحفل بالحب والتودد إلى أهل بيته .. إذن لماذا لا نتبع الخلق الديني في تعاملنا ؟! أم هي طنطنة في الخطب والمنابر والمجالس لا أكثر ؟!

    دمت بخير ..

  3. أنا سعيد بالتعرف على مدونتك أخى الكريم عبدالله …نفعنا الله بك أخى الكريم

    سيد يوسف

  4. وأنا كذلك أخ سيد ..

    سعيد جدا بالتعرف عليك ، وأتمنى لك التوفيق

  5. صرف بصره بعيداً، وتحجج بمتابعة الأولاد، واكتفى بإشعال سيجارة وابتعد قليلاً دون أن ينطق أو يعلق

    لا احب ابدا ان تتضمن اي مقالة او قصة الترويج لهذه الافة البشعة

    كم اتمنى من كتابنا الابتعاد في صياغتهم الكتابية عن الترويج والتفنن في صياغة الكلمات عن آفة العصر التدخين

    فيما يخص الموضوع المطروح ففعلا هناك الكثير من الرجال من يكون الحب في نفوسهم كبيرا ولكن اظهارهم يظهرهم بمظهر الضعيف ويؤثر على شموخهم ورجولتهم

    انها ثقافة ذكورية النخاع لا ادري من ابتكرها ولكنها حتما تخالف الفطرة ورغبات الانسان الذاتية

    ثقافي سي السيد والرجل القوي والجبار للاسف الكثير من الاقلام والمسلسلات والافلام حتى تروج لها بطريقة مباشرة احيانا واحيانا في اللاوعي وكلها تساهم في التأكيد وتكريس هذه المفاهيم الغير طبيعة

    ما المانع لو امسك احدهم بيد زوجته وسار معها في الطريق العام وامام الجميع ؟ اليست هي زوجته ؟ ما الداعي اذن لاظهار عكس ما يخفي ؟ لما الرجال يظنون انهم بمظهرهم الجاف احلى دائما واروع ؟؟

    اشكرك اخي عبدالله على هذا الادراج ولا هنت

  6. أقف أمام أسألتك اختي منى مكتوف الأيدي ..

    ((ما المانع لو امسك احدهم بيد زوجته وسار معها في الطريق العام وامام الجميع ؟ اليست هي زوجته ؟ ما الداعي اذن لاظهار عكس ما يخفي ؟ لما الرجال يظنون انهم بمظهرهم الجاف احلى دائما واروع ؟؟))

    دمت بخير ..



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر