خبايا الحداثة (حداثات…؟؟)
د. عبدالله محمد الغذامي
(إني لأستحي من الله أن أخشى معه أحداً) إسماعيل الأشدق
من حق الأخوة في قناة (دليل) أن أقول إنني سعدت بلقائي عندهم، يوم الجمعة ما قبل الماضي، وما مقالتي اليوم إلا امتداد لذلك اللقاء السعيد حقاً، وحينما تداخل الشيخ عوض القرني قال كلاماً كثيراً من بينه أنه طلب مني كشف خبايا الحداثة مما أعلمه ولا يعلمه - حسب عبارته - والحق أنني كنت كحال من قال عنه المتنبي: إذا حسن فعل المرء حسنت ظنونه (طبعاً المتنبي قالها حسب قانون دلالة التضاد، فإذا قال: إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه، فهو يقول أيضاً: وإذا حسن الفعل حسن الظن، وهذا هو مقتضى دلالة التضاد)، وكنت لحظتها قد ظننت أن الشيخ يندبني إلى نقد خطاب الحداثة، وكانت إجابتي بالإحالة إلى بحثي في نقد الحداثة العربية بوصفها حداثة رجعية والمثال على هذه الرجعية هو أدونيس، وكنت أظنني قد أعطيت صورة عن الجواب الذي مال ظني إليه. وانتهى أمري عند هذا الحد. غير أن اللوم صار يتواتر علي من ذلك اليوم وما بعده، وقال لي الكثيرون إن الشيخ كان يقصد منك فضح الحداثة والحداثيين وكشف الخبايا، أي الاعتراف عليهم والتشهير بهم، وما كنت أظن بالشيخ هذا الظن، غير أنني وعدت بعضهم بالاستماع إلى الحلقة مرة أخرى للتأكد من وجاهة ما ذهبوا إليه، وهذا ما حدث فعلا بعد سماعي للتسجيل، إذ تبين لي أن الشيخ يعتقد أن الحداثة تنظيم خطير له خبايا وينطوي على خطر جسيم، وتبعاً لهذا الظن فإن الشيخ يريد مني أن أعمل له كمخبر سري أو كعميل سابق يكشف أسرار العصابة.
كم والله أود لو أن الشيخ لم ينزلق إلى هذا المنزلق الذي ما كنت أتصور قط أن خلقه الكريم سيسمح له به، وأنا أراه رجل مروءة وتقوى، ومن كانت هذه صفته فإنه لن يحقر أخاه إلى حد أن يطلب منه أن يكون مخبراً سرياً أو أن يكون عميلاً سابقاً تحسن دعوته لكشف الفضائح.
هذه مسألة شخصية تتعلق بنظام التعامل بين البشر وعلاقة ذلك بالظن الكريم والمروءة وحسن التعبير، والكلمة الطيبة صدقة - كما قال رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام - وأنا لن أطيل ملامة أخينا الشيخ وأتركه لمروءته في ذلك.
لكن الأمر الأهم والأخطر هو أن نتكلم بعقل وصدق وأمانة عن قضية لا يصح أبداً أن نتهاون بها، وهي: هل الحداثة تنظيم سري يقوم على خطط خطرة، ويجب حينئذ فضحها وكشف خباياها…؟؟.
هذا هو منطق الشيخ وكنت أظنه قد وعي لغلطته القديمة في كتاب (الحداثة في ميزان الإسلام)، وهو كتاب في التوهم والظنون أكثر مما هو موعظة حسنة، وخطايا الكتاب كبيرة وفادحة، ومن أهمها هذا التصور عن تنظيم مزعوم، ويبدو أن الشيخ مازال يعتقد ذلك ويبحث عمن يساعده على تأكيد هذا الافتراض.
وأبدأ بأربع مقولات هي:
١- الحداثة حداثات.
٢- الحداثة ليست تنظيماً.
٣- الحداثة ليست خطراً.
٤- لقد انتهت مرحلة الحداثة ونحن الآن في زمن (ما بعد الحداثة).
وللتفصيل أقول - أولاً - الحداثة حداثات، ولكل حداثي تعريفه الخاص، وبقدر ما هناك من حداثيين فإننا سنجد عدداً مماثلاً من التعريفات والتوجهات، ولو أخذت بودلير كمثال لوجدت أن حداثته حداثة جذرية/ راديكالية تقطع مع الماضي بكل صيغه، وفي مقابله إليوت الذي اعتمد أهم ما في الماضي وهو الدين واللغة الكلاسيكية - حسب تعريفه للكلاسيكية -، وعاد جسدياً من أمريكا إلى بريطانيا كتعبير رمزي وحسي على مفهوم الأصل، وللحق فإن أدونيس يقول إن القرآن والحديث النبوي أصلان ويضع الحداثة بصفتها أصلاً من الأصول، (انظر بحثي: ما بعد الأدونيسية، في كتابي: تأنيث القصيدة والقارئ المختلف). كما أن أدونيس كتب عن الشيخ محمد بن عبدالوهاب، وهو الآن يصف كتابه عن الشيخ بأنه الجزء الرابع من مشروعه حول الثابت والمتحول، ولي أن أقول إن الشيخ عوض لم يشر قط إلى هذه المعلومات عن أدونيس، ولن أجنح لسوء الظن فأقول إنه حجبها متعمداً أو أنه خشي أن تفسد عليه كشفه للسلبيات فقط، وإنما أقول ما أراه ملاحظة منهجية، وهي أن الشيخ لا


































